اللوحة: الفنانة الفرنسية بيـرتـا مـوريسـو
محمد محمود غدية

العيش معها أطيب وفضاء الكون أرحب، والأشجار والأزهار أكثر نضارة والماء أعذب، جميلة جمالا لا يخصها وحدها، إنه جزء من الهبة التي جلبتها إلى العالم، وتتقاسمه مع شريك حياتها هي من اختارته.
اليوم زفافها، ستسافر معه إلى مدينة ساحلية حيث يعمل، يحبها ويحب من يدها طبق الحلوى أم على، هي من تختار ملابسه، لا يغادر المنزل حتى يلقى منها ابتسامة الصباح، رزقهما الله بطفلة تشبهها تحملت الأم آلام الولادة المتعثرة، بعدها غادرت الدنيا أشاروا عليه بالزواج، رفض لا يستطيع تعويضها وهي سكنى قلبه لم تغادره، لمن يشكو همومه ومن ستعد له الطعام؟ أتى للطفلة بمربية الطفلة كبرت واليوم زفافها.
أضواء الكاميرات والفيديو تغشى عينيه، أدار ظهره للعروس حتى لا ترى دموعه التي انسابت كشلال مطر، حين رأى فرحة أم العروس بزفاف ابنتها، إنه يوم لا تغيب فيه الأمهات لكنها غابت، يكافح كي يكبح حزنه المعتق، وهو يقبلها وتغادر، وسط موسيقا وأزهار تناثرت فوق فستان الزفاف، الشمس تتسرب من خصائص النافذة، فتتكسر خيوطها على جسده الواهن، يرتجف تزحف نحوه نيران الوحدة ينكمش تحت الدثر، يهذى يسمع جلبة في المطبخ، إنها القطة جوعى وهى التي اعتادت أن تأكل من يد ابنته العروس، الإنسان يولد ويموت وحيدا، لم يفلح في إيجاد بديل للغياب، مستسلما لسطوة حضورها الجميل وروحها الآثرة، هبت رياح خفيفة حملت رائحة عطرها، التي انتشرت في المكان ورطبت خياله المتقد، أغمض عينيه وابتسامة رضا تداعبه، بعد أن حقق السعادة لابنته والتي أسعدت الأم، ابنته العروس ستأتي له بالأحفاد الذين سيتقافزون حوله في حب، وهم يداعبونه ويسقطون عن وجهه نظارته، ويملأون البيت دفئا وصخبا وألقا، الحب يفرض الاشتياق الذى يؤسس للبهجة والأنس، أخذ يلاعب القطة بعد أن أفرغ صندوق اللعب الخاص بابنته العروس، إننا لا نتوقف عن اللعب لأننا كبرنا وإنما نكبر حين نتوقف عن اللعب، صورة ابنته في ثوب زفافها الرائع ووجها التفاحي الناضج وهى تبادله الابتسام لا تفارقه، وأيضا صورة الأم وسعادتها بزفاف ابنتها في القلب لا تغيب.
طاولة من الرخام البارد
دون الثلاثين بقليل جميلة، تابعها وهي تتنهد في راحة، أغمضت عينيها وابتسامة مقتضبة تداعب وجنتيها، طوى الصحيفة وشرب فنجان القهوة دفعة واحدة، حتى لا يشغله شيء عن التحديق فيها، المقهى يتخفف من الرواد، والشمس ترتدى حلل الغياب، متمسك بالحياة رغم قناعته.
إن الإنسان يولد ليموت! وبين الميلاد والموت، يصنع حضارة ويطور أسلحته في مواجهة كوارث الطبيعة، أدرك مؤخرا، أن كوارث الإنسانية أصعب إيلاما وأشد ضراوة، هبت رياح خفيفة حاملة رائحة عطرها الذى استنشقه، فانساب في أعماقه كنسمة رقيقة رطبت روحه التي ترفض الاستسلام للانكسار، هل يمكن لتلك الشرارة المتوهجة التي اجتاحته وتمكنت منه أن تنطفىء؟
هل هي وحيدة مثله، أم تنتظر الآخر وكيف يبدو؟ لابد وأنها لم تتغرب وتكابد مثله! لمح في عينيها الوديعتين الصافيتين دموعا، فتجاوب معها في التماعات صافية، مستسلما لسطوة حضورها الجميل، وطغيان روحها الآسرة، أخذ يتأمل رخام طاولتها الذى كان باردا قبل أن يحتويها، هناك مقعد وحيد مواجه لها، وجد نفسه وقد أحتله، بعد أن صار وجهه الشاحب أكثر بهجة، لن يحدثها عن مرارة الحب الذى تجرعه في الأمس البغيض، إنهما وليدا اللحظة التي ينبغى أن يتمسكا بها، لن ينقل حزنه إلى عينيها الجميلتين، ساقتها له الأقدار عوضا عن جفاف أيامه، لم تكن تنتظر غيره، ما أشقى الإنسان الذى يتجرع مرارة الغياب وحده، طلب لها الشاي ممزوجا بالنعاع الأخضر، دون أن يسألها، تذكره بروعة أبطال الأساطير، وجلال الظواهر الخارقة، زهرة برية، اشتعل فيها الندى، اختلطت الأضواء والظلال والدموع والضحكات، أي قوى عاتية اجتاحت صحراء حياته، وحولتها إلى جنة فيحاء، تلفه موسيقى كمنجات تعزف أجمل الألحان، ويسبح في حلم جميل، يغادر المقهى بعد أن عاد إليه وجهه الشاحب وهو يلملم بقايا تذكاراته، بعد أن أدرك أنه لا امرأة هناك، ولا شيء سوى طاولة من الرخام البارد وحيدة مثله.