اللوحة: الفنان الإسباني إل جريكو
دعاء صابر

في المدينة يحل الليل، تنسحب الشمس فتجر خلفها آخر شعاع للضوء تاركةً الساحة للظلام، في عرف المدينة عندما يحل الليل لا مصباح يضيء ولا قبس،لا شيء! الضوء ليلا محرم من قبل “المسعود” والمسعود رجل أشيب لا يشيب فوق شيبه، يعيش في قصر بعيد مسوّر لا يمكن لأحد اختراق أسواره، وهو يتصل بالشياطين وبالجن الذين يزرعهم في الليل كي تشي بالذين يشعلون الضوء فإذا أُشعل ضوء، هلك صاحبه! الكل يخشى المسعود، من الأفضل أن تخشى المسعود على أن تخشى الظلام، فالمسعود سيفتك بك، أما الظلام فلا.
في ظلام الليل الحالك تطلع الفئران والقوارض والخفافيش والسارقون والقتلة؛ ليجوبوا معا البلاد ليلا، فيسرقون ويختطفون ويقتلون ليلا، والناس تخشى المسعود، أما السرقة والاختطاف والقتل فلا، في ليلة كان بها بدر مضيء لا سلطة للمسعود عليه، ولد طفل أسموه “بدرًا” منذ ولد ذلك الطفل لاحظوا فيه شيئا غريبا، الطفل يخشى الظلام! في كل يوم عندما يحل الليل يركض إلى غرفة والديه ويختبئ تحت السرير حتى الصباح، حارت أمه فيه وحاولت أن تطمئنه غير مرة بلا فائدة، الولد يخاف الظلام، كبر البدر وخوفه من الليل يطارده كظله، كما تطارده أفكاره، في ليلة استرق عود كبريت قبل أن يختبئ أسفل السرير، في منتصف الليل حسم أمره، فليأخذ المسعود روحه المعذبة، أشعل الكبريت وأغمض عينيه خوفا من العفاريت التي ستأتي لقتله، فتح عينيه رغما عنه عندما أحرق عود الكبريت المشتعل أصابعه، لم تطله شياطين المسعود! ظل يكرر الأمر كل يوم في السر حتى أصبحت تلك لذة لديه، استراق الضوء ليلا.. بعد مدة أخبر أمه بما فعله كي تفرح وتتوقف عن الخوف من إشعال الضوء، لكنه فوجئ بها تنهره بشدة لم يعهدها فيها أبدا:
– إذا أشعلت عود ثقاب آخر في الليل سأكون أنا أسبق إليك من شياطين المسعود!
منذ ذلك اليوم علم أنه يجب أن يبقي الأمر سرا حتى عن أقرب الناس إليه، عندما دخل المرحلة الثانوية أسرّ أخيرا إلى أحد أصحابه بالأمر، فنظر له طويلا ثم طلب منه أن يقابله في مكان محدد ليلا، سار إلى المكان الذي أخبره صاحبه عنه فدخله وتوجه إلى أبعد غرفة فيه ثم انتظر، سمع وقع أقدام أكثر من شخص يدخلون الغرفة، كان المكان خانقا وخاليا من الشبابيك، ثم فجأة، أشعل أحدهم ضوءًا كبيرا!
لم يكن قد رأى ضوءًا في الليل بهذا الحجم قط، كان أكبر ضوء يراه هو الضوء الصادر عن عود الكبريت الذي سرعان ما ينطفئ بسرعة. حدق في الضوء طويلا ثم تذكر أمرا فتلفت حوله برعب.. المسعود!
– نحن نجتمع هنا كل ليلة ونشعل النار حتى الصباح منذ سنوات، المسعود ما هو إلا أسطورة لا وجود لها!
كيف؟ كيف يصدق كل الناس بوجود المسعود إلا هؤلاء! كيف يستطيع مسعودًا أن يجبر الناس على تجرع الظلام وهو غير موجود! لا، لا بد من وجود حجر ناقص!
في طريق عودته من المدرسة ذات يوم فوجئ برجل يسرق في وضح النهار!
سار خلفه إلى زقاق ضيق ثم أمسك به وقال بغلّ: تسرق في النهار! ألا يكفيك الليل كي تسرق فيه أيها المتبجح؟ حاول الإفلات منه وهو يرجوه:
– لم أستطع جمع ما يكفي في الليلة الماضية، أرجوك اتركني وإلا يفتك المسعود بي!
تسمر بدر مكانه ونظر له بعينين متسعتين: وما دخل المسعود بك؟
قال الرجل بخوف:
– المسعود يطلب منا جمع مسروقات بكمية محددة كل ليلة، وإذا لم نفعل فمصيرنا الهلاك، أرجوك دعني.
انتهز السارق صدمة بدر فهرب، ووقف هو لا يدري أين يهرب وقد شعر فجأة بالبرد يجتاح جوانبه ويعتصر قلبه، ليلا في الغرفة المضيئة حكى لهم.
– إذن فالمسعود ما هو إلا شيخ السارقين الذي ينشر المجرمين في الليل!
– وكيف استطاع أن يقنع الناس بتلك الأساطير طوال هذه السنين؟ ولماذا لم يعرف أحد قبلا بما قاله ذلك السارق؟
كل الجالسين يتساءلون، فيما عدا واحدٍ فقط ظل صامتا وقد بدا عليه الوجوم ظل بدر يفكر طويلا، حتى أنه في اليوم التالي لم يخرج لجماعة النور كما أسماهم وظل في البيت، كان يقف بالشرفة عندما سمع صوت الباب، خرج بسرعة ليفاجأ بوالده وقد عاد من ورديته الليلية باكرا قبل حلول الفجر على غير عادته، اصطحبت أمه والده إلى الغرفة وأغلقت الباب! لم يدرِ لماذا، لكنه فعل، الشك أجبره أن يفعل.. وقف خلف الباب يتسمّع:
– وماذا أنت فاعل غدا؟ أتفعلها بالنهار!
– بالطبع لا، سأتصرف، ربما أخبره أنكِ مريضة ولم أستطع ترككِ.
قالت بسخرية:
– بالطبع، فنحن نعلم أن المسعود يمتلك قلبا عطوفا!
تراجع للخلف ونظر للباب غير مصدق، كأن ما سمعه لم يكن والداه بل أكاذيب نسجها الباب الحائل بينهم خرج لا يلوي على شيء، قادته قدماه إلى جماعة النور
ظلت أحاديثهم دائرة إلى أن لاحظوا الوجوم على وجهه فاستنطقوه، قال جملة واحدة: أبي لصُّ ليل! سكت الجميع لا يعلمون ماذا يقولون، واحد فقط بدا وكأنه يشارك بدرا في همه وهو الشاب الواجم معظم الوقت، هو من قال شيئا كان السبب في تعكير صفو حياة جميع الجالسين:
– كلنا كذلك
في الليالي التالية علموا بأن آباءهم جميعا لصوص ليل، بل جميع الفقراء من أهل المدينة يعملون ليلا في السرقة لصالح المسعود كي يحسنوا دخلهم الزهيد، اجتمع جماعة النور واتفقوا على الثورة ضد المسعود بإشعال الضوء، في الساعة المتفق عليها قام بدر وأخرج مصباحا زيتيا قديما استعاره من أحد عمال المناجم، وقف في منتصف البيت ووضع المصباح أرضا ثم أضاءه، توهج النور في المنزل فبدا وسط الظلام كنجم ساطع، خرجت والدته مسرعة تصرخ:
– أطفئ المصباح حالا!
– لن أفعل
حاولت أخذ المصباح لكنه رفعه لمكان بعيد عن متناول يدها فراحت تنهره:
– أطفئ المصباح حالا يا بدر! إذا لم تفعل سيفتك بك المسعووود!
– لا وجود للأساطير التي تتناقلونها، المسعود لا يملك جنا ولا يتصل بالشياطين! إنه يستعبدكم ويكدر عيشكم بالخوف والظلام!
انهارت والدته أرضا وراحت تبكي:
– أنت لا تفهم شيئا، فقط أطفئ المصباح، أطفئه ولا تفضحنا!
دق الباب بعنف فهبت بفزع:
– أطفئ المصباح يا بدر أنت لا تعلم شيئا!
– لن أفعل حتى لو كان هذا آخر عمل لي في حياتي!
كُسر الباب ودخل ناس دفعوه وكسروا المصباح، وقفت والدته تحاول حمايته لكنهم أزاحوها جانبا، انهالوا عليه ضربا، قالوا إنه هتك ستر الليل وهدد أمن الناس، والعديد من الأشياء الأخرى قالوها وهم يكسرون عظامه.
في المخبأ المضيء اجتمع أصحاب الضوء:
– لقد سمعتم جميعا بما حدث لبدر، والآن ترون بأنفسكم ثمن الضوء.. جاء صوت من جانب الغرفة: بل ثمن الحقيقة.. التفتوا جميعا إلى صاحبهم المتجهم قليل الكلام، كادوا يسألونه عما يقصد لكنه أكمل: الحقيقة التي لا يود الناس الاعتراف بها هي أن فقرهم هو ما يدفعهم إلى السرقة، أما المسعود فأغلب الظن أنه قد مات منذ زمن وأورث أبناءه عرش الخوف الذي في صدور الناس، هم لا يودون رؤية الحقيقة، فتلك أغلى من أن يتحملوا وطأتها وما ستجره عليهم من حتمية التمرد على المسعود وتحمل الفقر والجوع، لهذا هم على استعداد دائم لتكسير عظام أي فرد تسول له نفسه حمل مصباح الحقيقة في وجوههم.
– ثم ماذا إذن؟ هل سنترك الأمر على ما هو عليه؟ المسعود يبتزهم والفقر يجوّعهم وظلام الليل الذي خلقوه يعميهم عن الإحساس بالكارثة!
– كل ما يهم أن نتفق على شيء واحد واضح، وهو أن الناس هم الظالم الحقيقي وليس المسعود.
– ذلك اتهام خطير! إنك توسع دائرة الاتهام وتضع حدودها على نهاية الكوكب! إن المسعود في النهاية فرد واحد أو حتى عائلة، أليس من الأسهل أن نتخلص منهم على أن نحارب الناس جميعهم؟
– الناس هم من ابتدعوا أسطورة المسعود وهم من فرضوا سلطته عليهم، إذا قضيت على المسعود فسيأتون بمسعود غيره.
– وما العمل إذن؟
قام وراح ينظر إلى مصدر الضوء بتأمل:
– ليس في أيدينا محاربة الناس لأننا قلة وهم كثرة، لكننا نستطيع تخريب البنيان من أساسه.
– ماذا تقصد؟
– أقصد أنهم نشروا أسطورة المسعود في كل مكان وأسسوا لها كي يزيفوا الواقع، فلم لا نهد الأساس؟ لم لا نشرف نحن على الأجيال القادمة وننشر بينهم الرواية الحقيقية إلى أن يصبحوا هم الأكثرية، ويمسكوا بأيديهم فتيل المصباح فيشعلونه إلى الأبد ولو حَلّ ألف مسعود؟