هيام علي الجاويش
اللوحة: الفنان الألماني إرنست لودفيغ كيرشنر
صديقي، باسم الطهر والرقة والعفاف، صديقي، سأحدثك في هذه الرسالة عن زهرة، زهرة كانت كزهرة المدائن، تسأل بماذا؟ بكل شيء، بالرقة، بالجمال والقوة بالعراقة والأصالة، زهرة كانت فرحة أبويها الأولى، ناغت زهرة, حَبَتْ زهرة،مشتْ زهرة، قالت زهرة فعلت زهرة، أما هذه فلزهرة؟! وتلك أيضاً لزهرة, أعطوها مالم يعطه أهل، وأخذت زهرة واستزادت، ما يحدث بأمر زهرة، والذي لا ترضى به زهرة لا يرضوه، تهامس الناس وتقولوا بكل أنواع القيل والقال، أما زهرة فكانت قبلة أهلها، بكت وتأوهت وتظلمت وبرّرت بأنها لا تساير ولا تجامل ولا تجالس، ليس لها علاقات مع أحد، لا تستطيع أن تنسجم مع أولئك الناس، لا يوجد حديث مشترك بينها وبين هذا القطيع من البشر، لذلك تكثُرُ الأقاويل عليها للنيل من كبريائها وكرامتها.
طلبت من أهلها السكن في مكان قريب للجامعة بحجة أنها تخفق في امتحاناتها من كثرة الذهاب والإياب, وأيضاً لكي تبتعد عن هذا الوباء البشري، وكان لزهرة ما طلبت, مصطحبة اخوتها معها وأعطيت ثقة عمياء.. اُسلمت القيادة ولا من يحاسب ولا من يسأل متى ذهبت؟ متى عادت؟ أين نامت؟ مع مًنْ كانت؟ أزهرة يمكن أن تسأل مثل هذه الأسئلة؟ وفعلا كانت الثقة عمياء وصماء وبكمّاء.
نمت زهرة وترعرعت وكبرت مسنودة بأسرتها, ومن ثم ردّت جميل أهلها متأبطة ذراع آخر، عشيقها، وفرضته على أهلها مسفرة عن وجهها الحقيقي وهو أنها كانت الشوكة التي تحمل الزهرة، وبدأت معركتها مع من سقوها الدلال، وبما أن الدلال كالدواء فقليله نافع وكثيرة ضار، فقد أضر هذا الدلال وأحدث سلوكيات وقناعات تحتاج للكثير من الوقت والجهد من أجل ترميمها ووضعها في سياقها الطبيعي، وبما أنه لا وقت لذلك فالموضوع يحتاج إلى حل سريع ومعالجة متأنية، فالسمعة باتت على المحك وهناك مجتمع لا يفهم ولا يتفهم ولا يرحم وهم ذاتهم كانوا هذا المجتمع في وقت من الأوقات بالنسبة لغيرهم، لقد جاء وقت السداد، فكما تدين تدان، من أجل ذلك كله أوكل الأب هذه المهمة للأم، عندها شعرت الأم بأنها قد تكون عاجزة عن هذه المهمة فقد كانت عاجزة سابقا بمهام كثيرة كانت أبسط من هذه، فهي التي كانت تعرف معظم تفاصيل حياة ابنتها، اكتفت بالنصح، ولم تكن حازمة معها قط حتى بالأمور التي كانت جلية الخطأ، إلا أنها أمور صغيرة وصغيرة جدا لكن لم تكن تعلم أن أول النو قطرة، كما أول الرقص حنجلة، وكانت مقتنعة أن ابنتها لا تفعل إلا الصحيح وكانت تقول في سرها الدنيا تغيرت وأسلوب التربية الصحيح هو الحرية، غافلة عن أن الحرية لا تعطى إلا بقدر، والآن أتت اللحظة والتي يجب على الأم أن تقف فيها وجها لوجه مع الحقيقة وهي أنها كانت غير واعية وضعيفة أمام ابنتها وعليها أن تصلح اخطاءها بالتربية بإصلاح الوضع الراهن فما مضى من أخطاء كان قد مضى، إما بتستر الأم أو بتبرير البنت أو بجهل الأهل وقلة الوعي.
بدأت الأم أولا بالسلطة الخارجية سلطة المجتمع والمذهب والبيئة، إذ كيف سيكون شكلنا أمام الناس، وماذا نقول للشامتين الحاقدين وستضعفين موقفنا أمام كل من تفوه عليك بسوء، وكأنك تقولين لهم ها أنا ذا كما قلتم، أسير على هواي.. إلا أن البنت كان ردها حاسما بأنها هي من يتخذ القرار بزواجها وليس المجتمع وأنها لا تبالي بأحد طالما مقتنعة بقرارها وأسرتها معها، ومن كان أفضل منها ليتكلم عنها؟ فهي تعرفهم جميعا. أما بالنسبة للمذهب والبيئة فهذه تفاصيل تحل بالنقاش والتفاهم.
قالت الأم يابنتي ستختلف عليك العادات والتقاليد والسلوكيات إن كانت في المأكل والمشرب والملبس حتى بالمفردات، المذهب هو إحدى الطرق للوصول إلى الله ولا مشكلة فيه طالما يقود لنفس النبع، لكن بيئته مغلقة ربما أحبك ردا على الكبت الذي يعيشه وبالنهاية هو ابن بيئته وسيعود إليها عاجلا أو آجلا، وربما حبك له لأنه أحبك ولأنه نقيض عما تعرفين من بيئتك أو مجتمعك، وليس لدى الكل قناعتك وقناعته، ستكونين غريبة بينهم.. ردت البنت بأنها تكلمت هي مع الذي تحبه بكل هذه الأمور الثانوية فالحب يكون بين قلبين لا بين بيئتين ومذهبين، وسينفصلان بالسكن عن كلا البيئتين. قالت الأم :لقد شطحتِ بعيداً ولم تكن الحرية تليق بك، لقد شوهت معناها ومن الآن سترين النقيض.
بدأت إجازة الصيف ولم تعد تذهب إلى الجامعة ولم تعد ترى حبيبها لكن تتواصل معه من جوالها وتقول له صبرا سأجد حلا معهم وإن لم أجد أسافر معك. ودخلت البنت في نوبة كآبة دامت شهرا على الأقل عزلت نفسها لا تأكل مع أهلها ولا تكلمهم. أسقط في يد الأم وحارت بالفعل والقول، وعاودت الكرة مع ابنتها بثانيا، وهو الأب والأخوة والأخوات، فربما زواجها هذا يؤثر على زواج أخواتها البنات فكان ردها إذا كان من يريد الارتباط بأحدى أخواتها يفكر بهذه العقلية فخسرانه أفضل من الحصول عليه، أما الاب والأخوة هي قادرة على إقناعهم فهل يتمنون أن تبقى بلا زواج أو هل يتمنون ألا تكون سعيدة أم أنهم يتمنون أن تعود إليهم مطلقة إذا لم توفق بالزوج الذي يكون على رأيهم، ثم ختمت كلامها قائلة بحزم: أم أنكم تودون أن اتزوجه دون رأيكم؟ نقلت الأم العبارة الأخيرة بطريقتها خوفاً من ابنتها وتعاطفا معها.قائلة إذا لم نوافق قد تهرب معه! كممت الأفواه وتوقفت الألسن ولم يبق إلا عبارة فليأتِ بأهله، وهذه كانت ثالثا، المحاولة الأخيرة، فربما أهله لا يأتون معه.
في الحقيقة خابت توقعاتهم فقد ضغط على أهله كما ضغطت هي على أهلها وأتوا طائعين مرغمين، وتزوجا، وفعلا انفصلا عن تلك البيئتين إلى بيئة أكثر انغلاقا فقد سافرا إلى إحدى الدول بحثا عن البعد والرزق. وتمر السنون، بعيدة عن بيئة أهلها وعالقة في بيئته هو فقد نكص سريعا، تزور أهلها كل عدة سنوات مرة، كبرت وترهلت وغزى الشيب رأسها، وحلمها وحبها باتا خلف ظهرها وخلف خلافاتهما واختلافهما، وبدل أن تكسر القيود دخلت فيها.
في المرة الأخيرة والتي أتت فيها لزيارة أهلها دخلت بنقاب تخفي تحته طوقا وبجلباب تخفي تحته خلخالا، اه وتذكرت معها ولدين ليكون مجموع قيودها أربع، وتساءلت الأم بينها وبين نفسها، هل هي سعيدة حقا أم أنها تخفي تعاستها وراء قيودها الأربع باعتبارها زينة وفلذات كبد، وبحديثها المبالغ به عن النزهات وعن الخادمات وعن، وعن، ناهيك عن الكعب العالي الذي كانت تلبسه أثناء حركتها بالبيت، أليس هذا ملفت للنظر؟
إن أول شيء يفعله الداخل إلى البيت هو أن يتحرر من حذائه، أعتقد هذا هو الأمر الذي سلط الضوء على معاناتها وتمسكها بالمظهر، ولم تغفل الأم عن هذه الإشارة وأدركت أن الشجرة إذا أقتلعت من بيئتها تموت، وأن كل امرئ على ما تربى عليه بغض النظر عن الرغبات والمعتقدات إن كانت دينية أو وجودية أو أي شيء ٱخر، فالقانون الذي لم نستطع التغلب عليه للآن هو قانون المجتمع، تربية المجتمع صارمة، فالذي ترفضه وأنت شاب، تصبح محاربا لأجله عندما تكبر، وهذا هو الذي يحدث دائما فالمجتمع يدهس كل من يتحداه.
نظرت الأم إلى ابنتها وقالت كل منا يحمل صخرة سيزيف على أنها صخرته، نحن محاصرون، والأموات يتحكمون بالأحياء من خلال المذاهب والعادات والتقاليد، ولا حل إلا أن يثور المجتمع الجديد على المجتمع القديم ليقلب الأعراف والتقاليد والسلوكيات، فمن يطيش هدفه بلا وعي، عليه أن يتم حياته بملاحقة هدف طائش وحياة نكد وبوعي.
قالت البنت يا أمي المشكلة ليست اختلاف بيئة أو مذهب فكثيرة هي الاختلافات حتى بين أفراد المجتمع الواحد وحتى بين الأقرباء، وكثيرة هي العوامل التي تهدم بناء الأسرة ويتوقف شلال الحب عن التدفق، ويعز التفاهم، ومع ذلك نغلق أبوابنا على مأسينا من أجل المجتمع، والأطفال قيود حول الرقبة والأرجل، وحمولة على الظهر، والكل مستمر وراضٍ بالاستمرار، لكن غير راض على الحياة وعلى شريك الحياة، مبررين الموت على قيد الحياة وبدافع الخوف بأن الحياة هكذا والجميع لهم نفس الحياة، ناسين أننا نربي أطفالا بعاهات وسيكونون أسرا وأطفالا بعاهات أكبر تحشر بالمجتمع من جديد، ونتسابق بالدنو بالنسبة للمجتمعات الأخرى. فالبذور الفاسدة لا تنتج ثمارا صحيحة إلا ما رحم ربي.