اللوحة: الفنان الإسباني فيسنتي روميرو ريدوندو
نهلاء توفيق

عندما تنظر إلى درجاتي (عشرة على عشرة) فأحسُّ بغيرتها؛ أسرعُ لاحتضانها وتقبيلها، وعرض مساعداتي الدائمة لتدريسها وتشجيعها. هذه هي صديقتي منذُ الطفولة في المدرسة وفي شارع حيّنا. أحبها وتحبني فنتقاسم حتى اللقمة بين فمينا لنتساوى في الجوع والشبع.
– اتركي هذه الكسولة، فقد تنزلين لمستواها فالكسل عدوى يا صديقتي.
كثيراً ما أسمع هذا من زميلاتنا ولكني أُحكِمُ جيداً وضع قطنة ناشفة داخل أذنيّ.. مرّت السنون فدخلت الطبّ، وافترقنا للضرورة.. مررتُ يوماً بقصرٍ منيف تمنيتُ دخوله، قال أهلُ الحيّ إنها تزوجت صاحبه؛ ولكنّي لم أدق بابه لشيءٍ داخل نفسي لا أفهمه.
دُقَّ بابُ بيتنا المتواضع فناداني زوجي بأن امرأة بالباب تريد مقابلتي، اندهشتُ حينما رمتْ في وجهي أوراقاً وشهادات كثيرة، كلها (عشرة على عشرة).. فاحتضنتها وأنا أبكي.
– أنا الآن راقصة باليه مشهورة، ولكِ أن تريني.. هل لي بالدخول؟
– طبعاً.. طبعاً حبيبتي، البيت بيتك.
رقَصَتْ في الصالون ألواناً شتى فأبهرتني. احتضنتها ثانيةً. مازلتُ أحضنها، فالحب قابعٌ في صندوق ذكرياتٍ لا تُنسى.
– أنتِ معزومة غداً مساءً.. الحفلُ راقٍ وستحضره شخصيات مرموقة، فإياك إياكْ أن تنسي.
– مؤكد عزيزتي، وكيف لي أن أنسى! أنا سأكون أول الحاضرين. هل يأتي معي زوجي الدكتور ماجد؟
– أكيد، وبالمناسبة حتى يتعرف على زوجي.
نزلتُ معها درج الشقة لأمتع عينيّ بجمال سيارتها الفارهة وهي تقودها، قالت لي: باااي.. إلى اللقاء، تمتمت: مع السلامة صديقة الطفولة.
أول مرة في حياتي أدخل حفلة في قاعة. أنا وزوجي هادئان مبهوران شاخصةٌ أنظارنا نحو خشبة المسرح. رقصت هي وزوجها.. رَقَصَا.. فرَقَصَا.. وأعيننا تروح يمنة ويسرة، شمالاً وهما يطيران، نزولاً إلى الخشبة وهما يتزحلقان.
صفق الحاضرون كثيراً.. وكثيراً.. وأنا وهو نصفق ونصفق.. ونصفق بحرارةٍ واستمرار، وحتى بعد سكوت الجمع وهدوئه.. صرتُ أصرخُ بأعلى صوتي: برااافووو.. عشرة على عشرة.. عش عش عشرة.. على على عش عشرة!
يوماً ما تمنيت أمنية
خرجتم كلكم لي من هنا، رجالاً ونساءً، فازدحم بيتي ولم يسعكم. أخرجتكم من بيتي وأرجعتكم إلى الوراء، كثيراً إلى الوراء. أدخلتكم بيت جدي العتيق، فوسعكم حوشه إلا قليلاً منكم صعد إلى سطحه وصار يشاركنا الأحاديث من فوق. تعالت صيحاتنا وامتزجت بضحكنا وفرحنا ومرحنا، فاختلطت الأمور كلها وتمازجت قصصنا وحكايانا.
أبى النقاد منّا إلا نقد الإيجاب والمدح والثناء، فازدهرت أقاصيصنا واحلوت. دخل المحظورون بعدما اشتغل رفع الحظر تلقائياً فاعتذر بعضنا لبعض وتصافحنا. ظهر لنا جدي بدشداسته البيضاء الناصعة وعطره المميز مبتسماً فشاركنا الحديث، قال بهدوءه المعهود: أحفادي الرائعين، كنت أراقبكم من بعيد وأنصحكم، ولكنكم عنيدون، تتناحرون وأنتم داخل جهاز يدوي. أولادي الستة ربوا هنا مع زوجاتهم وأولادهم، وكنت أملك عصاً لمن يتناحر ويتمرد، فمن يمسك العصا عندكم؟
قلنا ببرود: لا أحد جدنا، فنحن كل يسكن جهازه.. بكى جدنا.
دخلتم واحداً تلو الآخر جهازي مبللين بدموع جدي الطيب، مخاطبينني: لن يكون هذا وإن هي إلا أحلام وأمانٍ.. المحظورون دخلوا قائمتهم بهدوء.