سراج الدين ونظرة نابليونية

سراج الدين ونظرة نابليونية

اللوحة: الفنان العراقي سيروان باران

عندما عُوتب نابليون في عدد القَتْلى الكبير من جنوده؛ قال: “إنَّ دخلي السنوي مائة ألف جندي، فلا ضرر من إنفاق عشرين ألفا”!

نحتفل يوم 25 يناير بعيد الشرطة، فما قِصة هؤلاء الشهداء النُبَلاء؟

في 25 يناير 1952 استدعى القائد البريطاني بمنطقة القناة –”البريجادير أكسهام”- ضابط الاتصال المصري، وسلمه إنذارًا بأن تُسَلم قوات البوليس “الشرطة” المصرية بالإسماعيلية أسلحتها للقوات البريطانية، وتَجلو عن دار المحافظة والثكنات، وتَرحل عن منطقة القناة كلها، وتنسحب إلى القاهرة بدعوى أنها مركز اختفاء الفدائيين المصريين المجاهدين ضد قواته في منطقة القنال.

رفضت المحافظة الإنذار البريطاني وأبلغته إلى وزير الداخلية “فؤاد سراح الدين باشا” الذي أقرَّ موقفها، وطلب منها الصمود والمقاومة وعدم الاستسلام.

وقبل غروب شمس ذلك اليوم حاصر مبنى قسم البوليس “الشرطة” الصغير ومبنى المحافظة في الإسماعيلية “سبعة آلاف جندي بريطاني مزودين بالأسلحة، تدعمهم دباباتُهم السنتوريون الثقيلة وعرباتهم المصفحة ومدافع الميدان”، “بينما كان عدد الجنود المصريين المحاصرين لا يزيد على ثمانين في المحافظة، لا يحملون غير البنادق.”

واستخدم البريطانيون كل ما معهم من الأسلحة في قصف مبنى المحافظة، ومع ذلك قاوم الجنود المصريون واستمروا واستمروا في الدفاع ببسالة وشجاعة فائقة، ولم تتوقف هذه المجزرة حتى نفدت آخر طلقة معهم بعد ساعتين طويلتين من القتال، سقط منهم خلالهما (خمسون) شهيدًا و(ثمانون) جريحا وهم جميع أفراد جنود وضباط قوة الشرطة التي كانت تتمركز في مبنى القسم، وأصيب نحو سبعون آخرون، هذا بخلاف عدد آخر من المدنيين وأسِرَ من بقي منهم.

السؤال الذي يدور بخاطري الآن، ويجعلني لا أسير مع التفكير الجماهيري، كيف كان شعور سراج الدين “الذي عاش بعدها حتى عَمَّر التاسعة والثمانون” حينما قرر أن يخوض رجاله معركة معروف أنَّ كل من فيها سيُقْتل؟ 

إنَّ من يأمر بالصمود يجب أن يكون متَيَقنا من قدرته على إرسال قوات دعم، أو سيقوم بأي تَحرك فيه مكسب عقب تلك المذبحة التي ستحدث، أو على الأقل يقوم بعمل اتصالات للتفاوض مع الإنجليز، لأن الفرْق في العَدد والعُدَّة هائل، “دبابات مقابل بنادق قديمة”!، ثم إنَّ النهاية المحتومة والوحيدة كانت الاستسلام مع نفاذ الذخيرة وهذه بطولة نادرة لا خلاف عليها، لكن ما الهدف الذي تحقق؟

أنْ نُسجل بطولة تُكتب في التاريخ لسياسي غامر بأبناء غيره! هلَّا انتظر حتى يذهب إليهم بنفسه ليستشهد معهم ويكون قُدوة؟ من يشعر بالمسؤولية ويعلم أنَّه لن يستطيع نجدتهم؛ عليه أن يأمرهم بالاستسلام وحفظ النفس طالما النتيجة النهائية معروفة.

مضى العهد الذي يكون القائد على ظهر فرس في المقدمة يَتَحمل مع جنوده نتيجة قراراته، الفداء والتضحية والشهادة لا بد أن تكون بهَدَفِيَّة، ولا يكون وراءها قرار غير مسؤول، رحم الله كل شهداء الوطن وما أكثرهم.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.