اللوحة: الفنانة المجرية إلكا غيدو
سليم الشيخلي

ـ يجب أن تكلمه.
ـ بماذا؟
ـ أن لا يتأخر مساءً.
ليس ثمة ما أخاف عليه، لم يكن أبي يهتم بذلك، كان يجيء المساء متعباً لينام من هم الخبز الثقيل، كنت أسهر في قلب المدينة القريب من البيت وعندما يشتد ظلامها نجلس في حديقة صغيرة نتسامر حدّ الملل الذي سرعان ما يغادرنا عند النهوض ظهراً.
ـ يجب أن تحمرّ عيناك.
لعن الله النسيان، كم مرة أخبرتها بأن لي حديثاً خاصاً معه أستمتع به كسرب طيور مهاجرة نزلت محطة خضراء، أصبحنا نستخدم الإشارات لغة خاصة، اكتشفنا..
ـ ولماذا لا تخبريه أنت.
ـ إنه عنيد.
كم عاندت أبى رحمه الله وخاصة عندما أحرق يدي بالسيكارة التي كنت أدخنها خلسة، فأصبحت عبداً لها وبقيت أتحداه، ولكن ثعلبي هذا لا يهتم بالدجاج في أقنانه بل محمّراً على المائدة، يقدم تقارير عن كل تحركاته، دروسه، يدافع عن أصدقائه رغم أني ألمحهم مختبئين خلف أعمدة البناية وحلقات الدخان تتطاير.
ـ إنه يدخن.
ـ أعلم ذلك.
ـ وتسكت عنه..؟
ـ ليس لدي حل.
ـ أمّال؟ قالتها باللهجة المصرية.
ـ حاولت بالحب، وحلف أنه لن يمسها.
ـ ولمسها.
ـ كل أصدقائه يدخنون.
كتب لي رسالة يخبرني أنه يحب فتاة بصدق كما كنت أحب أمه في شبابي. لم أرد عليه لكني عرفت لاحقاً أن أهل الفتاة غادروا المنطقة لأنه كتب حبه فوق الجدران وأخبر الجميع وغنى حتى للقطط الكسلى النائمة قرب باب المصعد.
ـ ألا ترين أني أسأله عن التدخين دائماً.
ـ ويقول لك إن شاء الله.
ـ وأنا متعلق بها.
فوجئت أنه لم يخرج منذ ثلاثة أيام إلا للضرورة ويقابل أصدقاءه عند الباب. أخبرني دون دوران أنه مهدد من شقيق فتاة تعرف عليها بالنقال. لم أتمالك نفسي من الضحك فضحك على مضض. تمنيت أن يستمر التهديد فلقد تلذذت بوجوده، تعاهدنا أن ينتبه إلى دروسه لأنها السنة الأخيرة ونجح تلك السنة.
ـ يريد أن يقدم أوراقه لمعهد التمثيل.
ـ سيقبل بسهولة.
ـ كيف؟
ـ لأن حياته معنا تمثيل في تمثيل.
– لقد تأخر كالعادة.
اتصلت بنقاله فجاء صوته مليئاً بالحب يستأذن ربع ساعة فقط، فرح جداً عندما أضفت إليه ربعاً آخر ورحت مخدعي.
ـ تعرّف على فتاة جديدة.
سحبتها ورسمت على شفتيها ألوان القوس قزح.
ـ أقول لك تعرف على فتاة أخرى.
سحبتها مرة ثانية وأطلقت كل الفراشات الحبيسة، بعد قليل سمعت صرير الباب، المفتاح وهو يغلقها فرحت إلى نوم عميق لأحلم به يحمل طفلاً على كتفه وطفلة جميلة تسحب يدها منه، تهرع نحوي صائحة:
– جدي.