اغتنم زمانك

اغتنم زمانك

نورا أحمد

اللوحة: الفنان النمساوي غوستاف كليمنت

اكتشفت الليلة بينما أعيد تجديد علاقتي مع المكان في زمان آخر تغيرت فيه ظروف كثيرة وحتى أنا تغيرت فيه! أعدت اكتشاف علاقتي مع الممشى الأخضر المزهر الذي يبدو لمن يلج دجى ليله أنه خارج الجغرافيا.. إذ ان الهواء هنا أكثر كرمًا من هواء شوارع جدة المكتظة المزدحمة بالبلوكات الاسمنتية التي تحجب في رأيي ضوء الانسانية كما تحجب الشمس والهواء لتصير كل الاحياء في عيني أموات. يتكدس فيها شجر تميل اغصانه ملاحقةً ضوء شحيح للشمس يتسلل من بين بناية واخرى، وكومات من المطاعم واصوات السيارات وقطط هنا وهناك تفتش في حاويات القمامة – اجلكم الله – عما يسد جوعها! 

أما هنا.. فأنا خارج كل هذا التلوث البصري والسمعي بالكامل، اشعر حدسي هنا.. أشعره بكامل رمان ايامي التي مضت يتناثر امام عيني وأرى عسل رمان الأيام القادمة جليًا كأني اشاهده على شاشة سينمائية سماوية ضخمة.

علاقتي مع هذا الممشى ان صح تسميته بهذا الاسم ولم يكن ملاذًا وملجأً سريا لمناجاتي وخلواتي.. علاقة حب متبادل كريم عف رقيق..

واذ أحضر إليه الليلة بعد انقطاع طويل اكتشفت ان فيّ ميزة ربما لم انتبه لها سابقا. ميزتي التي أمتن لها اليوم كل الامتنان أنني أجيد استخدام ما يضعه الكون في طريقي بأفضل الوجوه الممكنة وبما يجمل حديقتي الجوانية السرية لكي تنعم أناي بما في الداخل قبل ان يكون النعيم خارجها..

كنت اسكن حي النسيم الذي ألفت كل شجرة فيه وتصاحبت مع المبتورات منهن وكن جاراتي الغاليات على مدى ١١ سنة بصيف جدة الكاوي وشتاءها الربيعي الماطر احيانا. و اذ تم هدم السور المحيط بالمخطط الكبير – المعروف سابقا بممشى الحوامل – المجاور للحي وتخطيطه ومن ثم تشجيره حتى صار كتحفة فنية يبهر جمال تصميمها الناظر ويبهج فؤاده.. بدأت بممارسة رياضة المشي اولا ثم وبعد الفة شهور من المشي خارج المخطط تلتها الفة لا حدود لها.. ذلك النوع الذي نحس به تجاه الاباء والامهات، توغلت في المكان وبدأت اركض مستقبلة كل ذرة اكسجين وكأنها موكلة بالدخول الى رئتي انا فقط. كنت اشعر بأن الله جواري وقريب مني في كل هذا الظلام والصمت والوحدة والفراغ اللطيف. استمرت علاقتي بالمكان منذ اواخر العام ٢٠١٧ حتى نقلت من حي النسيم الى حيث بيت والدتي، وجهتي وجهاتي واتجاهاتي كلها، وبالطبع ودعت شجرات النسيم وداعا يليق بكم الأحاديث التي تبادلنا وبأحضان متقطعة ما أن يخلو الطريق من أعين الفضوليين. لكنني لم اجرؤ ولو لمرة واحدة ان أودع هذا المكان، فالذي جمعنا كان أعمق من حضن ودموع غزار وتلويحة وداع. كنت حرفيا أحزن كما لو انني طفلة صغيرة انتزعت من امان والدها وحنو والدتها. لم اتمكن من الوقوف فيه وتوديعه. كيف اودعه بشكل لائق يا سادة.. بربكم هل لمثل هذا الفراق دمع يكفي!  قلت لنفسي وانا اقود السيارة بجواره: تبا للحياة سأعود اليك وان طال امد الفراق. 

وإذ كان خروجي من الحي والشقة والألفة والجيران وكل ما أحب هنا قسريًا وكان حقيقة اشبه بهروب فلسطينية طردها صهيوني حقير غادر بعد أن ترملت فأخذت اطفالها تحت جناحها وما استطاعت ان تجمع من حياة عمرها ١٨ عاما.. إذ كان الخروج هروبًا فإنني كنت مكسورة من عدة نواح واتجاهات. 

واليوم اعود الى الممشى وامشي فيه واستقبل هواءه الذي يحتضنني يغمرني يحيطني ويرحب بي بكل ما أوتي من ذكريات جميلة وحزينة جمعتنا..

يحدثني المكان برفق ولطف: لا تحزني فأنت أكثر من استثمر وقته معي، كنتي تحضرين بشغف وترحلين بشوق، كنتي تعرفين عن حتمية الفراق. ولم يفتك أن تستمتعي بكل يوم وليلة قضيتها هنا ولم يفتك الاستمتاع بشرود الحالمين عندما كنتي مفتونة بزهرة تفتحت او فراشات لاحقتيها بعينين مفتوحتين على احتمال الجمال في كل زاوية من هذا الكون، او غروب ترصدينه بحب ورضا او شروق لطالما تفتحت امال عظيمة في روحك معه. 

لم يفتك يا نورا ان تعيشي، فلا تبأسي بحق كل من له حق. 

لم تكوني ممن مرت ايامهم بل كنت تمرين بالأيام بتأن العاشقين، اذ عشت الحب رويدًا رويدًا حتى الغرق والجنون.

انتهى حديثه.

ومن هنا أقول.. كم أنا سعيدة اذ كنت اغتنم هذه الفرصة الحلوة التي وضعها الكون امامي على طبق من حزن. وقد كان بإمكاني ان اجلس في البيت وانتحب وابكي الحظ وتعثره. إلا انني آثرت ان اخرج وامارس الحياة بنقاء هواء الممشى وباخضرار شجره والوان زهوره وخفة فراشاته.

حق لي ان اقول اليوم.. انا مزهوة بي.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.