الولد الشقي

الولد الشقي

اللوحة: الفنان الفرنسي لويس فرانسوا لوجون

يراقب الولد الشقي جماعة من النمل وهي تتعاون لنقل دودة كبيرة إلى مخبأها، يتركها تجهد نفسها وتتحايل حتى تصل بالغنيمة إلى الحفرة، وبمجرد دخولها فيها بجزء من الدودة واطمئنانها لقرب تمام المهمة؛ يبسط الولد الشقي قدمه فيضعها على مدخل الحفرة فتتصدع وتتهدم، ويُسرع النمل في هَرَج لسحب القتلى والمصابين من تحت الأنقاض، بعدها -وبصبر عظيم- يعاود النمل فتح المدخل الذي تَهدَّم، أثناء ذلك يقوم الولد الشقي بسحب الدودة بسهولة بعيدا حيث موضعها الأول، فيشرع النمل من جديد لنقل الدودة إلى الحفرة، ودوخيني يا ليمونة.

لو ظل هذا الولد يُفسد ما ينجزه النمل آلاف المرات لما قام النمل بتعديل ردود أفعاله، ذلك لأنه يتحرك غريزيا فلا يملك سوى الصبر والجهد الشاق، أما ملكة النظر والاعتبار فتلك وهبها الله الإنسان، ولو امتلك النمل هذه الموهبة الإنسانية أيضا لما تغير الوضع طالما أنه لا يرى الولد الشقي، لن يتغير الوضع إلا إذا تخيلنا أنَّ نملة واحدة من شعب النمل نظرت لأعلى فرأت الولد الشقي، وأدركت أنَّ النمل سيدخل معه في دائرة مغلقة يُستنزف فيها بغير ثمرة، عندها ستنصح بقية النمل بالكف عن بذل الجهد في نقل هذه الدودة والبحث عن دودة أخرى بعيدة عن عيني الولد الشقي.

نملة واحدة تنظر لأعلى توفر جهد شعب كامل من النمل، ولكن النمل لا ينظر لأعلى، بينما نحن نستطيع، فلماذا لا نفعل!

يُعتبر المؤرخ البريطاني (أرنولد جوزف توينبي) من أشهر المؤرخين في القرن العشرين، ويذكر في نظريَّته الشهيرة الخاصَّة بـ “التحدِّي والاستجابة”: الارتقاء الحضاري لا يحدث بالغزو واستغلال الشعوب، ولا بالتقدم التكنولوجي، ولكن بعملية التسامي التي تقودها نخبة نادرة من العباقرة المبدعة، التي تمثل عقل وبصر وضمير المجتمع، لهم أفكار شجاعة وحكيمة مغايرة، تختلف عن الفكر السائد، فتقلدهم الأكثرية وتحاكيهم.. هذه النخبة هي النملة التي نظرت إلى أعلى فرأت ما يفعل الولد الشقي.

حين تختفي النخبة يبدأ الانحلال الحضاري ويدب العجز ويتشتت المجتمع وتسيطر عليه أقلية سلطوية أو طائفية تدخله في متاهات مُرهقة ومحبطة لكل ثمرة.

وأفراد النخبة لديهم رؤية منظورية وليست جزئية، وهم بذلك أشبة بمن يتنبأ بالمناخ، حيث يبسط خريطة العالم، فيشير إلى مرتفعات ومنخفضات ورياح وسحب تتجمع في أماكن متفرقة وبعيدة، ثم نراها تترجم إلى أمطار تتساقط على أماكن أخرى، هكذا يتم التنبؤ بالبرودة والحرارة والرياح وبقية مفردات المناخ.

كذلك تقوم النخبة بجمع المعلومات التاريخية والجغرافية والسياسية والعلمية والإحصائية والفكرية.. إلخ، ومنها تخلص للفكرة التي يلتقطها المجتمع باردة وناضجة.

هل سمعتم عن مالك أسطول طائرات من طراز “بوينج” الحديث، يستخدمها كسيارة تنقل الركاب على عجلاتها من القرية إلى المدينة الواقعة على بعد عشرة كيلو مترات ذهابا وإيابا!، هذا الخبر سوف يدهش الناس ويثير استنكارهم، ولكنه من حيث الوظيفة منطقي لا عيب فيه، فالطائرة العملاقة بالفعل تمتلك القدرة على السير مثل السيارة، ولكن المنطق يقول أنَّ الأولى شراء سيارة بثمن زهيد لتقوم بتلك المهمة، ويقول المنطق أيضا؛ إن الطائرة أهينت باستخدامها مكان السيارة، من يرصد تاريخ الشعوب يجد أنها كثيرا ما تهدر طاقتها بهذه الطريقة دون أن تشعر بفداحة ما تهدر من طاقة وما تتكلف من خسارة، ولا يرتكب شعب مثل هذا الخطأ الباهظ إلا حين يفقد نخبته.

عقب الثورة الفرنسية، قامت أوربا مجتمعة بحروب ضد فرنسا، وكان نابليون يحرص على محاربة الأعداء فُرادى، فلا يحارب أكثر من جبهة في نفس الوقت، لذلك اتفقت الإمبراطورية النمساوية وروسيا على محاربة نابليون في وقت ومكان واحد، وكان التقويم الروسي “اليولياني” الأورثوذوكسي يختلف عن التقويم الأوروبي الكاثوليكي فكان الفارق عشرة أيام أو أكثر، فجاء الجيش النمساوي مبكرا فانفرد به نابليون وهزمه، ثم جاء الروس متأخرين فانتصر نابليون أيضا وهو الذي كان أقل منهما في كل شيء.

هنا انتصر نابليون بسبب غياب معلومة اختلاف التقويم بين روسيا والنمسا، فضحك التاريخ كما هي عادته.. لو تخيلنا وجود عالم نخبوي ينبه النمساويين والروس في تلك اللحظة إلى هذه المعلومة، ألم يكن ذلك ليغير تاريخ أوروبا وربما العالم؟

كلنا نعرف تفاصيل الحملة الفرنسية على مصر، ولم أفهم هذه الحملة إلا حين درست تاريخ أوروبا وخاصة الثورة الفرنسية، والملاحظ أنَّ الشعب المصري لم يقاوم استعمارا في تاريخه مثلما قاوم الفرنسيين، ولم ترق دماء في تاريخه مثلما أريقت على يد الفرنسيين في ثلاث سنوات، ولأن الثورات كانت شعبية وليست بسيوف المماليك والعثمانيين، فكان المتوقع أن يكافأ الشعب بقطف ثمار هذا الكفاح الأسطوري، ولكنها اختتمت بدلا من ذلك بمرحلة حكم أسرة “محمد علي” التي حكمت قرنا ونصف خرجت منها مصر وهي متخلفة في كل شيء.

وكما تخَيَّلت النملة التي نظرت لأعلى وتخيلت النُخبة التي تنبه النمساويين والروس إلى فرق التقويم بينهما، فسوف أتخيل هذا السيناريو.

أتخيل أنَّ “عمر مكرم” شيخ الأزهر وبطل الشعب يعلم أنَّ نابليون لم يأت لمصر إلا لهدف واحد، وهو قطع طريق التجارة بين انجلترا والهند كي يستطيع إجبار إنجلترا على التوقف عن قيادة الحملات الأوروبية المتتالية ضد فرنسا، فيفهم “عمر مكرم” أنَّ فرنسا تعجز عن احتلال دولة بعيدة مثل مصر بينما أوروبا كلها تحاربهم في جميع الجبهات، وخاصة أن انجلترا والعثمانيين حطما الأسطول الفرنسي وأصبح الفرنسيون سجناء في مصر ومهددين بالاعتداء الخارجي والتمرد الداخلي.

هنا يفكر “عمر مكرم” كما يفكر النخبويون العباقرة، فيرأس وفدا يجتمع مع نابليون ورجاله، ويعرض عليهم صفقة يكسب منها الطرفان.

ييسر المصريون للفرنسيين المكوث في مصر في سلام وكأنهم ضيوف مكرمون، فتغلق كل وسائل الاتصال مع العثمانيين التي تدعم ثورات المصريين، ثم يوفر المصريون الأدوات والثروات التي تيسر للفرنسيين قطع طريق التجارة عن إنجلترا، وبهذا تُحصن دماء الفرنسيين والمصريين فترة الحملة بمصر.

وفي المقابل يقوم الفرنسيون بمساعدة المصريين على حكم أنفسهم، فيعملوا على إنشاء النظام الإداري والسياسي والعلمي الحديث، ويؤلفوا الدستور ويصدروا القوانين الحديثة، ويقيموا مدارس وجامعات وصناعات وزراعة متطورة، فتتكون في مصر بنية تحتية شاملة وكوادر فنية وخبراء يقودون المستقبل، وتنال مصر كل ما تريد من أدوات الحداثة.

ومن المعلوم أنَّ أوربا لن تسكت عن الثورة الفرنسية التي قتلت الملك ولن تسكت عن نابليون الذي اقتحم الفاتيكان وأخذ البابا معه لفرنسا حيث توفي فيما بعد، وحين يرحل الفرنسيون وفق التغييرات التي ستحدث سواء سياسيا أو عسكريا، سوف يتركوا المصريون مؤهلين للوقوف على أقدام الحداثة ومواصلة التقدم الحضاري، وتصبح مصر مساوية للدول الأوروبية في حضارتها.

هذا السيناريو لم يحدث ولكنه سيناريو مثالي، نتعلم منه ألا نكرر ردود أفعالنا دون إعادة الدراسة مستعينين بالنخبة التي تملك المعرفة والحكمة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.