جولييت المصري
اللوحة: الفنان السعودي محمد الرباط
«كلّما غابَ شاعرٌ انطفأت نجمةٌ وجَفَّ ينبوعٌ وتراجعَ في الأرض منسوبُ الجمال».
هكذا، نعى الإعلامي الشاعر زاهي وهبي صديقه الراحل، الشاعر العراقي كريم عودة الشهير بكريم العراقي الذي فارق دنيانا بعد صراع مرير مع السرطان، فقد وصلت رحلته التي سماها رحلة الأمل والصبر إلى محطتها الأخيرة، وفتحت له الأبواب لينطلق إلى عالمه السرمدي، تاركة لوعة الرحيل وعذاب الفراق لمحبيه.
ولد الشاعر كريم عودة في بغداد عام ١٩٥٥، وكان يتمتع بموهبة الكتابة التي ظهرت منذ كان بالمرحلة الابتدائية، عمل العراقي معلما ثم مشرفا متخصصا في كتابة الأوبريت المدرسي، وكتب الشعر الشعبي والأغنية والأوبريت والمسرحية والمقالة، وغنى كلماته العديد من المطربين العرب مثل رجاء بلمليح ولطيفة وماجد المهندس وأصالة وصابر الرباعي.
أما كاظم الساهر فقد كان رفيق دربه، وغنى له معظم قصائده، وكانت أشهرها تلك التي حصلت على جائزة منظمة اليونيسيف، وهي قصيدة تذكر، يقول العراقي في إحدى حواراته عن علاقته بكاظم الساهر:
“أنجز الساهر لي بصوته وألحانه خلال أكثر من ثلاثين عاماً أكثر من 100 أغنية، حتى صار كاظم هو صوت قصائدي، فعلاقتنا تتعدى علاقة شاعر بملحن ومطرب، نحن رفاق رحلة واحدة، وإذا أردت أن استرجع نجاحاتي معه، فلا بد أن أتوقف عند قصيدة: كثر الحديث، التي قدمها عام 1994 والتي لاقت نجاحا كبيرا»
كَثُرَ الْحَدِيثُ مِنْ الَّتِي أهواها
مَا عُمْرِهَا؟ مَا اسْمُهَا؟
مَا سِرَّهَا؟ مَا شَكْلِهَا؟
بَيْضَاء أَم سَمْرَاء؟
عَيْنَاك أَحْلَى أَنْتِ أَمْ عَيْنَاهَا؟
جَلّ الَّذِي أخشاه أَن تتأثري
فتماسكي وتهيئي وتحضري.
فَلِغَيْرِه النِّسْوَان
فَعَل الخَنْجَر.
هِيَ أَجْمَلُ مِنْ كُلِّ جَمِيلَة
أَحْلَى مِنْك وَأَحْلَى مِنِّي.
هِي أَرْشَق مِنْ كُلِّ رَشِيقَة
هِيَ أَقْرَبُ مِنْ قَلْبِي عَنِّي.
وعن كتابته الشعر وطقوسه وما يلهمه فيها يقول:
“لا أخطط لكتابة نص أو أغنية، أنا ابن الحدث فأينما أكون أستثمر ما أنا فيه وأخلق منه قصيدة، فأنا أمين مع ما أعانيه، فقصائدي في معظمها تحاكي قصة حقيقية منقولة من واقعي ومحيطي الذي أعيش فيه”.
هكذا كان يكتب شاعرنا قصائده، وهكذا يرى مهمة الشاعر الحق أن يكون صادقا متماهيا مع واقعه وأحداث مجتمعه، ناقلا له بأمانة ومؤرخا له، حتى يصبح الشعر ديوانا للأحداث والتاريخ الحقيقي لا كما يرويه المنتصر، وقد كان له رأي فيمن يطرق أبواب الشعر وليس بشاعر فيقول عنهم:
متنكرون بقامة الشعراء
متحصنون بألسن الخطباء
متشاعرون ولا حياة لشعرهم
لو جردوا من قشرة الأضواء
حملوا مزامير النفاق ونافقوا
وتسللوا لمجالس الوجهاء
وتوهموا أن المواهب تشترى
بالطبل والمزمار والإطراء
ولم يخل شعر شاعرنا من رؤية خاصة، وتجارب عبر عنها في بساطة وتلقائية، فوصل بذلك لقلوب الناس، يقول فيما يشبه الحكمة:
لا تَشْكُ للناس جُرْحَا أَنْتَ صَاحِبُهُ
لا يُؤْلِمُ الجَرْحُ إلا مَن بِهِ ألَمُ
شَكْوَاكَ لِلنَّاسِ يا ابنَ النَّاس منْقصَةٌ
ومَن مِنَ النَّاسِ صَاحِ مَا بِهِ سَقَمُ
فالهمُّ كالسّيْلِ والأحزان زاخِرَةٌ
حُمْرُ الدَّلائلِ مَهْمَا أهْلُها كَتمُوا
فَإِنْ شَكَوْتَ لِمَنْ طَابَ الزَّمَانُ لَهُ
عَيْنَاكَ تَغْلِي وَمَنْ تَشْكُو لَهُ صَنَمُ
وَإِذَا شَكَوْتَ لِمَنْ شَكْوَاكَ تُسْعِدُهُ
أَضَفْتَ جُرْحًا لِجُرْحِكَ اِسْمُهُ النَّدَمُ.
رحم الله شاعرنا، فقد فارق عالمنا، لكنه لم يفارق قلوب من أحبوه واستمتعوا بشعره وآمنوا به.