اللوحة: الفنان المصري إبرام أيوب
نهلاء توفيق

خرجتُ أتكئ على عكازتي مساءً، صادفني شارعٌ مزدحم؛ فطلبت من بائعِ المحارم مساعدتي
– إلى أين تريدين خالتي؟
– إلى الصيدلية ابني، نفدت حبوب السكر خاصتي.
– لماذا لا يحضر أحدٌ معكِ وهذا الخط السريع مزدحم خالتي؟
– أنا أحب أن أتمشى مساءً كل يوم ولدي، ولكن في حيّنا القديم كانت الصيدلية لا يفصلها شارعٌ عن بيتنا.
– لا عليكِ خالة، كل يوم أنا أساعدكِ في قطع الشارع.
– حفظك الله ولدي.
لحظات وراح الولد، يا إلهي! ماذا حصل في لحظات؟ بل ثوانٍ؟ تمددتُ في الشارع وأنا أصيح وألطم: راح الولد.. راح الولد! الذي دهسه هرب، أخذه أصحاب المروءة للمستشفى وأنا معهم، رجعنا خائبين.. راح الولد، راح!أوصلونا لبيته وتركونا مع الجيران، ببيته من الصفيح.. يسكن وحده.. لا ولد ولا تلد، رجعت البيت وأنا ألطم وأولول: راح الولد، «أنعن أبو السّكّر»
في صباح اليوم التالي دفنه الجيران رغم إلحاحهم ومحاولتهم منعي من الذهاب معهم؛ إلا أني أصررتُ على ذهابي وأنا أقنعهم: أريد أن أعرف مكان قبر ولدي. أغلبهم صدّق أني أمه؛ فدخلت بعض السكينة قلبي. بكيتُ بحرقة ومرارة وهم يدخلوه اللحد، لم يكونوا سوى أربعةً من جيرانه المعدمين. صرتُ أبكي وأنوح: يا ولدي لماذا تركتني وحيدة.. يا ولدي يامن حافظت على حياتي وحميتني.. لماذا؟ بكوا معي قليلاً ورحلوا.
– يا ولدي هذا القبر لي، لماذا أخذته؟ علب المحارم والرصيف في انتظارك.. آه وألف آه ولدي!
كل جمعة أزوره، أوزع الحلوى عند قبره. صار الكل يعرفني من سكان المقبرة، وينادون باسمي حين وصولي: جاءت أم قاسم. انتبهتُ لنفسي جمعةً من الجُمع أني أزوره بلا عكاز، أين ذهب عكازي؟ لا أدري! كيف، وأنا لا أستغني عنه؟ لا أدري! اليوم أنا أم قاسم، والكل يتحدث بشجاعة ابنها الذي ضحى بحياته من أجلها، وهي توزع كل خميس طبيخاً لأهل الحي عن روح قاسم ولدها.
أزور المراقد كل سبت، وأعمل الحلوى عن روحه، وأطلب من الناس قراءة الفاتحة على روح قاسم ولدي.
وصلنا لخاتمة القصة دون أن أخبركم أني كل يوم أقطع الشارع السريع لوحدي بلا عكاز؛ روحه لم تفارقني لحظة فأتكئ عليها حين مسيري.