الأم

الأم

اللوحة: الفنان الألماني بول كلي

من كثرة ثناء وتفاخر كل فرد بأمِّه وكأنَّها قِدِّيسة من السماء اختصه الله بها وحده، وادعائنا أنَّ أمّنا هي أعظم أمرأه في العالم منذ بدء الخَلِيقة، كنت دوما أكرِّر كلمة اخترعتها لأجعل من هذا الزَعْم أقرب إلى الدِقَّة، فأقول: أمك هي أعظم أم في البيت وليس في الدنيا، فالأرض مُمتلئة وخِصْبة بالأمهات.

عندما كنت صبيا كان نومي مقدَّسا لمن في البيت، أي صوت أو ضوء يتسبب في أنْ يَنطلق مني صراخ صاخب وأنا أعْصر جفني حتى لا يَتسرب منه ضوء إلى عيني، لو حدث هذا فسوف أستيقظ نَكِدا وأظل استجدي النوم أملا أنْ يعاودني ثانية.

لم يكن هذا حالي فقط؛ بل اخوتي جميعا، وهكذا كل منْ في البيت الا واحدة، أمي، تظل تدير ساقية المنزل وتَرعانا طوال اليوم دون كَلل أو شكوى، وما أصعب المراهقين والمراهقات، الطَلبات لا تنقطع والمِزاج لا يثبت على حال، والعَشَم في الأم بلا حدود، ينتهي اليوم وقد تعب جسدها واستهلكت كل طاقتها، ثم تأوي إلى فِراشها شِبه جُثة هامدة وسرعان ما تَغرق في نوم عميق.

وتَصاعُد أنفاسِها هو الدليل الوحيد على أنها حَيَّة ولم تَهلك من كثرة الشغل، بعد وقت قليل أكون أحد قُساة ومُتبلدي القلوب الذين يَدخلوا غُرفتها، أضيئ المصباح ثم أبْحث عنْ شيء خاص بي في الغرفة، عندما لا أجد حاجتي؛ أنادي أمي أسألها، تَفْتح عينيها ولا تكاد تَرى ثم تجيب، ألتقط حاجتي من حيث وصفت أمي ثم أنصرف، 

قد أطفئ المصباح أو أنسى، قد أغلق الباب أو أهمله مفتوحا، لا يهم، أعلم أنَّ أمي يَسْتوي عندها أي حال، فهي الأم الفولاذية، خُصوصيات أمي وراحتها وغُرفتها على المَشَاع بيننا مُنْتَهك،  ربما تلك هي طبيعة فيها – هكذا أقول لنفسي مُبَرِّرا جَريمتي لأغطي على شُعوري بالتأنيب من أنانيتي وبَلادة حِسِّي، بعد لحظات يدخل أخي، ربما لا يَبْحث عن شيء، يناديها؛ أمي أمي، تفتح عيونا زجاجية ثم تُوجِّه نَظرةً سَكْرى متسائلة، فيقول لها:

أريد ان توقظيني غدا في السادسة فعندي مُحاضرات مبُكِّرة ولا أريد أن تفوتني، تقوم الأم بتسجيل تلك التعليمات في ذاكرتها التي لا تَنام، ثم لا تملك طاقة كي تسأله: “لماذا لم يُخْبرها بتلك المعلومة طوال النهار وهي مستيقظة”! ترمي رأسها على الوسادة وتعود لنَومها المُتقَطَّع، ثم تدخل أختي بعد فترة تتسحب، تهزّ أمها، تهمس إليها بأسئلة البنات، تجيبها ثم تعود لنومها.

هذه لقطة من لقطات الأم المصرية المُسْتباحة من أولادها والمُسْتعبدة لهم عن طيب خاطر.

 حفظ الله كل أم لا تزال تمارس واجبها المقدس.. ورحم الله كل أم رحلت.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.