اللوحة: الفنان الفرنسي لويس سايمون كابيلو لاسالي
محمد محمود غدية

في قريتنا الطيب أهلها، والمشاعر النبيلة، عشت طفولتي أو بالأحرى أحلى سنوات العمر، شقاوة وتعثر وبكارة، نتذكر القليل من ملامح وجوهنا وبكائنا وحماسنا وتسلقنا الأشجار، والجري خلف الطائرات الورقية والفراشات، كانت الدنيا رحبة وكريمة ومحبة ومتسامحة، نملأ سلال البنات بالثمار والأزهار، تسكننا البهجة وتتمدد في هدوء لا تعكرها الهموم.
كنا أصلب من أعواد القمح التي تلهب الشمس ظهرها وتدوسها عجلات المحاريث الثقيلة دون شكوى، كانت هناك طفلة تخبئ في ملابسها قطع الحلوى لأجلى، وتحكى حكايات الدجاجات التي كسرت البيض وكيف طاردتها الأم بالعصا، وحكايات ابن شقيقتها الذى لا يكف عن الصراخ والبكاء، والتمتمات والثغاءات، تتحدث بخفة قلب عصفور صغير، لم تنبت له أجنحة بعد، رقيقة طيبة، تعرفنا الطرق الطينية والشموس والأقمار، ونحن نركض خلف الطيور والفراشات التي لا نستطيع اللحاق بها.. الطفلة التي تخبئ لي الحلوى، لا تعبأ بشعرها المسافر في كل الدنيا الأشبه بسبائك الذهب، جميل أن نسرق من العمر بضع لحظات من البهجة والفرح.
أستيقظ في الصباح مبكرا على وقع الحجارة التي تقذفها صاحبة الشعر الذهبي، وضوء الشمس المتسرب من النافذة المكسور زجاجها من الحجارة، نستحم بالنسيم الصباحي الرطب، ووجهها النضر كثمار الحقل الطازجة، دائمة الابتسام تكلم الأشياء، تتحدث في عفوية، عن إمكانية تغيير الفصول، ومشاركة البنات أعراسهن.
خربشاتنا الطفولية مازالت عالقة على جدران البيوت ولحاء الشجر، تشهد على ركضنا خلف الظلال والسحب وأشجار البرتقال والليمون وثمر التوت، عدت أبحث عن الطفلة التي أحببتها، بعد أن داهمتني العواصف والأخطار والكدح المرير، بعد أن صنعت لها ثوبا وقبعة من الأزهار، وحزمة من الأشعار، لم أجد الطفلة ولا الدار، جفت في حقولنا ثمر اللوز والبرتقال.
قالوا: حين ضاق بصدرها الثوب، تزوجت وغابت ولحقتها الأسرة دون عنوان، كما غابت رائحة القرنفل والزعتر والليمون، وماء الزهر وعطر البرتقال، واللوحة الفريدة وأناشيد الطفولة، كنا نحيا كما تحيا البلابل والجداول والزهور، لا نحفل إذا كانت الدنيا تدور بأهلها أولا تدور، لا شيء غير الطفولة والبساطة والتعثر والسرور، في لوعة الغياب والاضطراب والحيرة والشقاء، أربدت السماء، وغابت القرية في أحشاء الظلام وانطفأت شعلة الحياة، غيوم تتكاثف تارة وتومض أخرى، فتلقى الرعب في النفس وتدفع السابلة إلى فرار.
أنكرتني الأزقة والحوارى والطرقات الطينية، حين أبصرتني وحيدا دونها، وهى التي اعتادتنا معا، وربما لاختفاء سواد الليل في شعرى، المطر يهطل والريح تدوى، وأنا واقف مكاني، أفتح ذراعي مهللا، لأنه حين تمطر السماء، أكون في عمر العاشرة.