اللوحة: الفنانة السورية جيهان محمد عبد الله
سليم الشيخلي

“لكي تصبح حبة القمح سنبلة يحب أن تموت وتدفن”
استدرجوه لغبائه؛ فاستدرج كل مكرهم؛ فزلزلت الأرض حوله، والعالم يتفرج بعيون محدبة لملحمة تحرير العراق استعمارياً من أنياب الحاكم الطاغية، هجمات سريعة مباغته بكل القياسات والأسلحة التي لم تخطر ببال، لم يقابلها أي ردة فعل فقد استسلم العراق منذ أربعة عقود بسهولة فاقت تصورات المراقبين حتى إن حمدية بائعة اللبن راهنت على أن الأمريكان سيعودون بتوابيت دون أكفان، لم تغادر منزلها منذ أسبوع خوفاً من شماتة سوزان مراسلة الواشنطن بوست.
أفادت وكالة الأنباء الفرنسية أن الجنوب استقبل الفاتحين بأهزوجة “متعجب محد يقدر له” وهم يستلمون المؤن من يد المجندات الجميلات. في نبأ لوكالة الأنباء الهندية أن مراسلها في البصرة شاهد بعض عمليات الانتقام من مباني الدولة والحزب وسرق محتوياتها، وقد شاهد بعض الجثث معلقة على حبال الغسيل جنب ملابس داخلية في نوبة ضحك هستيري.
سقط العراق أمام تكنولوجيا جبارة، إلا بغداد فقد طوقت بثلاث حلقات مستحكمة من الجيش الأصفر ثم مبانيها وما تخبأ من مفاجآت.. عندما وصلت إلى “باب الشيخ” رأيت الوجوه صفراء، أصدقاء الطفولة التي تسلقنا المراهقة والضياع سوياً، موجودون في مقهى خالد أبو حدبه، الموتى حصلوا على إجازة مؤقتة وتلك معجزة لم ننتبه لها لأن دوي القنابل شغلنا عنها. لم نتعانق ونتشابك كما كنا نفعل آنذاك فقد كانت اللحظة امتدادا لتاريخ جاء من رحم الذاكرة ليقف على قدمين متحركين .
– هل نقدر على دحرهم؟ قال “هوبي” الذي أصبح بعثياً لحد الاستهتار ثم تاب إلى الله ولم يستطع التوبة من الحزب.
– دحرتمونا بسهولة ويسر. أجابه عبد الله الذي أعدم عام 77 لكونه التحق بالخدمة العسكرية ولم يتخل عن فكره اليساري.
– نحن أمام قوة جبارة احتلت العراق بعلب الأطعمة، تحاصرنا بالجوع، وهبل رافض تسليم نفسه أو الهرب ،وقد يحرقوننا جميعا بوزره!
– لماذا لا نخرج إليهم؟ إنهم يستقبلون الفارين.
– سيقتلك جنود هبل لأنك درعه البشري!