قصتان: سارة والخوذة – مقبرة السلام

قصتان: سارة والخوذة – مقبرة السلام

اللوحة: الفنانة الفلسطينية حنان الأغا

سليم الشيخلي

سارة والخوذة

لم تعد هناك مشكلة للدجاجة سارة، في مكان أمين تضع بيضها الواحد والعشرين يوماً، ثم تخرج متباهية وصغارها يسيرون معها، فلقد سقطت خوذة جندي قرب القن ولم يأتي أحد لالتقاطها.

 قضت نصف اليوم تدفعها إلى الداخل والباقي في نومة طويلة بعد أن هدها التعب والتفكير بعددهم، ألوانهم. بدأت باختيار سبعة أسماء ستطلقها عليهم عندما يكسرون بأقدامهم قشرة البيض ويخرجون إلى الحياة ينشدون أغاني الحرية. في اليوم التالي بحثت عن قش ورتبته باعتناء والأيام تمر وسارة المجتهدة لا تخرج إلا قليلا لحاجياتها الضرورية لتعود مسرعة مانحة الدفء والحياة.

تفتحت أزهار الربيع وارتدت الأشجار زيها الأخضر الجديد، البيوت تفتح شبابيكها تستقبل أشعة الشمس والعافية، استيقظت سارة، غطت بيضها ومع زميلاتها بدأن عملهن اليومي بإيقاعات متنوعة.

– حلمت حلماً غريباً. قالت وهي تمسح ما علق جناحيها من ندى الصباح.

– خيرا إن شاء الله.

– خطوط أفقية وعمودية سوداء غلفت البيض، ونور ينحسر ثم يتلاشى إلا من عمود عند الأفق.

قالت إحداهن مكركرة:-

– لا بد أن عشاءك دسماً فأثقل المعدة والمخ.

ضحك الجميع حتى الديك الذي كان يقف غير بعيد فارداً جناحيه للبعيد.

كل شيء هادئ في الحقل الصغير قرب الشارع العام وعندما انتصف النهار بدأت الأرض تهتز منذرة بشيء ما مما دعاهم الهرب الى داخل الاقنان متناسين أن يقفلوا الأبواب. الإيقاع يكبر ويتقدم نحوهم، مذكرهم حلم سارة. 

توقف الصوت وظهر جندي يبحث ويتلفت، لحظ باب القن وتوجه نحوه، مال برأسه داخله ولاحظ أن خوذته أصبحت سريراً، لا بد له من أخذه. لقد عنفه الآمر لضياعها وعاقبه وطلب منه إحضارها بأي طريقة وإلا رماه بالسجن! ها هي الآن مملوءة بالبيض، تقدم خطوة فاشرأب عنقها توثباً. تذكر أمه وأخوته وليالي الشتاء لكن الآمر بشكله الخرافي أفسد ذكراه.. تقدم قليلا فقامت سارة واحتمت وراء الخوذة، سحبها قليلاً فسحب الدجاج جميعه الخوذة لجانبه. وما زال الجندي يسحبها إليه بصعوبة ليجمع الدجاج قوته كرة جديدة فيسحبها منه.

مقبرة السلام

– هافال… هافال!

تصرخ قرب كل فجر عند باب كوخها فيأتي الصدى موقظاً زوجها من كل اتجاه، يجرجر قدميه ويحضنها من الخلف فارشاً كتفه وسادة وكفه منديلا لدموعها.

– هافال … هافال! 

يديرها نحوه، يمد يديه سياجا والجبال صامتة إجلالا للحظة خارج الزمن.

– سيأتي ويمسح عنا غبار الانتظار.

ابن الجبال التي رسم أمنيات عديدة على بندقيته وسار مع الانصار وهادها ليعيد ما فقد من ابتسامات ثم اختفى في زحمة فلق. جاء «كاكه حمه» يخبرهم سقوطه مع رفاق في كمين السلطة.

– هافال … فيرجع الصدى … هافال.

سحبها للداخل متكئة عليه، أدخلها فراشها ليصرعها تعب مزمن فتخلد لنوم نهاري رمادي. هكذا تميد الأيام فيسقط هبل في نصب ساحة الفردوس. لتبدأ رحلتهما عبر القبور الجماعية بأمل والعودة بيأس.. كم هافال هنا! وهي تعبر هياكل اختلطت باستغاثة، وكم لا قالها مخففا صبرها الجاف، تمد يدها بدعة فراشات أضاعت دربها بعد غروب الشمس لتسكته.

سارا باتجاه مرقد الإمام علي، أجبرهم التعب على الجلوس في الباحة بين عوائل منتشرة تحت صمت شتائي مضيء. لسعتها شهقات امرأة مجللة بالسواد فدنت منها وبعربية تتكسر عند ضفاف شفتيها: 

– ما بك يا أختي؟

– فقدت أولادي الثلاثة دون أثر.

– كيف؟

– زبانية هبل، زوار الليل.

– وما أسماؤهم؟

– حسين، عمر وسعاد.

– وهافال! قالتها بهفة لا تدري لم وكيف انطلقت منها، وبدأت وبدون وعي تعدد أسماء عديدة سابحة في ملكوت الشهداء. التفتت إلى زوجها: 

– هيا نعود.

– لماذا؟

– رأيته في جميع الضحايا.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.