التشكيلي حازم بيطار.. للوحة حكايات دافئة

التشكيلي حازم بيطار.. للوحة حكايات دافئة

خالد جهاد

للوحاته نكهة خاصة تميزها عما سواها، فهي ليست مجرد مشهدٍ عابر أو لقطةٍ جميلة بل هي عمل إبداعي متكامل ينم عن فكرٍ خلاق وفلسفةٍ عميقة وقدرة على التجدد والذهاب بعيداً ما وراء الصورة لاستكشاف خباياها وأعماقها وخلق عوالم مختلفة من رحمها، بأسلوبٍ ينقلنا برشاقة بين الواقع والخيال عبر نظرةٍ سينمائية متلبسة بالسوريالية.. شكلت حالةً فلسطينية خالصة خرجت من حدودها المحلية وصنعت لها أجنحةً تحلق بها في الفضاء الإنساني الفسيح وتقدمها في ثوبٍ متفرد يحمل توقيع الفنان الفلسطيني حازم بيطار..

حضور فلسطين في أعماله هو حضور ثري يظهرها لنا كما لم نرها منذ وقتٍ طويل، فهي ليست حاضرةً كماضٍ بعيد أو صورة أرشيفية أو مادة فلكلورية بل هي حية ترزق تنبض وتكاد أنفاسها تحرقنا بقدر ما يصلنا منها عبر لوحاته، هي حالة من تعرية الجرح والتماهي مع الذات والامتزاج بالروح كراقصٍ صوفي يدور بخفةٍ يكاد لا يلامس الأرض معها، وننفذ عبرها إلى رسالةٍ نبيلة المعنى، متدفقة المشاعر، ملونة الرؤى والأبعاد تجعل من المفردات المرادفة لاسم فلسطين مقطوعةً موسيقية يفهمها جميع البشر، يمتزج فيها الحب بالوجع الإنساني من خلال ألوانه الدافئة وإضاءاته الساحرة على صورٍ من حياة الشعب في مختلف جوانبها وعلى امتداد أيامها، وكأنه يسترق النظر إليهم من خلف بابٍ مغلق على همومهم التي أوشك النسيان أن يطويها، وجعل من مشاهد بسيطة قد لا تستوقف الكثيرين لحظاتٍ أيقونية ترتجف لصدقها الأحاسيس كضوء الشموع المتراقص وسط ظلامٍ دامس، ففرد مساحاتٍ كبيرة للابتكار في سرد الرواية الفلسطينية بصرياً وإدخال عناصر ومشاهد جديدة عليها مع إعادة صياغة أحداثها وعرضها من منظورٍ مغاير ومعاصر وجذاب قد يستخدم الرموز أو الحكايات المعروفة لإيصال الفكرة بذكاء، كما قدم المبدعين الخالدين في الوجدان مثل محمود درويش، غسان كنفاني، ناجي العلي، السيدة فيروز، عبد الحليم حافظ في إطارٍ أنيق يمتاز بالرقي والشفافية التي تميز عموم نتاجه..

ولا تغيب أحزان المخيمات على تنوع همومها وغزارة صورها عن أعمال حازم بيطار، فنرى عناصر هامة مثل الجذور والأسلاك الشائكة وزخات الرصاص والعلم الفلسطيني وسحب الدخان وتشييع الشهداء بشكلٍ مستمر لكن بعيداً عن التكرار والتنميط، حيث يقدم الوجع دون ابتذاله محتفظاً بذلك الخيط الرفيع بين تصوير المأساة والمساس بقدسيتها وجلالها، ولا تخلو لوحات فناننا من التطرق إلى قضية الأسرى وصعوبات الحياة التي يفاقمها جدار الفصل العنصري المقام على الأراضي الفلسطينية وعلاقته المزدوجة بنظرة الناس إلى واقعهم ونظرة الآخرين في باقي دول العالم إلى ما يحدث هناك، ونرى هنالك دوماً إشارةً إلى جانبٍ مضيئ في كل الحالات رغم ما يبدو من سوداوية تلف المشهد..

فريشة حازم بيطار تمرنت على الفرح الذي ينتزع الضياء من قلب العتمة ويرتمي في أحضان الألوان ليصنع مواسم تحتفي بالشروق الذي لا بد أن يأتي ويغير وجه الكون ليعيد إليه بهائه، واعتادت على أن تكون الطبيعة حاضرةً بمعزوفتها في أغلب بصماته التي تروي الروح بدفء ملامحها كأنغام القصائد وندى الصباح..


حازم بيطار

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.