كفى بك داءً..

كفى بك داءً..

هيام علي الجاويش

اللوحة: الفنانة النمساوية كارولين كوبين

صديقي:

كلما رأيتها أو اشتريت شيئاً من المتجر الذي كانت تجلس غير بعيدة عنه, كنت أقول في نفسي هي من ينطبق عليها قول الخنساء: (قذىً بالعين أم بالعين عوار) كانت تبكي بدعة وسكينة، لا صريخ ولا ضجيج، لا تأفف، فقط تبكي, وتبكي،

وتنساب الدموع من عينيها وكأنها حفرت مجراها الخاص، تلملم أطراف ثوبها بين الحين والأخر لتمسح عينيها، كان مظهرها يقض عليّ مضجعي لعلها صاحبة حاجة، أو لعلي أستطيع مساعدتها.

في إحدى المرات تشجعت واقتربت منها بوجل، كيف وماذا أقول؟ لكنها أومأت إليّ أن اقتربي وقالت: أتمنى أن يموت، إنه ولدي وأشارت إلى المتجر، وصعقت عندما سمعت قولها وفكّرت، تتمنى الموت لهذا الرجل الرصين الهادئ الودود المتزن وهو ولدها أيضاً! إذاً إنه حقد الحموات، لا بد أن بكاءها من كَنّتها، هكذا هنّ الأمهات، يشعرون بأن أولادهن ما زالوا صغاراً وعليهن حمايتهم حتى من أقرب الناس لهم، وربما يقصّر من واجباته تجاهها.

اقتربت أكثر فأمسكت أطراف أصابعي لتجلسني إلى جانبها، مما أشعرني بقشعريرة في بدني وجلست رغم توجسي، بادرتني بالكلام: آه يا ابنتي إذا مات أطمئن عليه، التراب أرحم من البشر.. سأقص لك قصتي.. ولم انتبه لدموعي إلاّ عندما انتهت من كلامها، واشفقت على نفسي من شدة تألمي عليها فكيف هي والحال حالها، واشفق عليك من أن أنقل مشاعرها، أو أقول إنني أعجز عن ذلك.

صديقي: 

سأسرد عليك باختصار شديد وشديدٍ جداً، امرأة في السبعين تبكي ولدها, البالغ الخمسين، أراك تسأل لماذا؟ كان ولدها متفوقاً في دراسته، وأشارت بعينيها إلى المتجر، وفي يوم كان في السباق وكاد يتفوق على أولاد حارته, إلاّ أن أحدهم عاجله بضربة بين فخذيه أصابت مذبحه، ولماذا برأيك؟ فقط كي يتمكن أخوه من أن يفوز في السباق على ولدها. أخذوه للمشفى وبعد علاج دام طويلاّ علمت بفداحة ما أصاب ولدها، ضجت وبكت وتوعدت, لكن أهل الخير والمعروف تجمعوا, وقالوا لها: يا أم أحمد احمدي الله، الله يأخذ ويعطي، احمدي الله ولدك لم يمت، وما الذي تجنيه إن شكوته؟ القانون لا يدينه فهو صغير وهو لم يكن يقصد. تنتفض وتقول وولدي صغيرٌ أيضاً ما ذنبه؟ يجب أن يفقد الأخوين ما فقد ولدي. وتأتيها الكلمات المسكنة, يا أم أحمد المسامح كريم إنه قضاء الله وقدره, ألا تؤمنين بقضاء الله؟ سيضيع حق ولدك، ارضي بالصلح والمال، وغداً سنأتي نحن وأهل الولد للصلح وتقديم المال أليس لنا جاه عندك؟ هل سترديننا خائبين؟ لا, لا تظني المال تعويض, لا, لا سمح الله, على كلٍ القانون لا يدينه. المال، هو نوع من المساعدة (هكذا أفضل، العين لا تقاوم المخرز).

وتبرع أقرباء الفاعل الميسورين من أهل المال بمال يفوق المال المتفق عليه بكثير، وأعطوه لوالد الفاعل، أُعطيت أم أحمد المال المتفق عليه، وبقي لهم القسم الأكبر، أصلحوا بيتهم وكبّروا متجرهم وشاركوا أحد سكان القرية بسيارة أجرة. ومنذ أربعين عاماً وحالهم من حسن إلى أحسن حتى أنهم يكتبون على سياراتهم وعقاراتهم ومتاجرهم وأبواب منازلهم (هذا من فضل ربي)

زوجت ولدها مرتين, مرة في الثلاثين من عمره وأخرى في الأربعين، كل زوجة بقيت معه عاما كاملاَ على أمل أن يتحسن وضعه بالدواء, لكن أيّاً منهن لم تستطع الاستمرار. الآن هي من يُعنى بولدها, ولا ترفع بصرها عنه إن كان بالمتجر أو كان في البيت.

انحرف خط سير حياته مذ كان في العاشرة بعد اصابته، وتقصيره في دراسته أثناء فترة علاجه الطويلة. الآن همّها الأكبر هو من يُعنى به عندما تموت, مع مَنْ يتحدث؟ ومن يجالس ويسامر؟ مَنْ يُطعمه؟ وما هو طعم حياته؟ حيث لا زوجة ولا أولاد, لا أخوة أو أخوات.

ولكن صديقي، أتدري ما يؤلمها أكثر من هذا؟ الذي يؤلمها أكثر هو أن ترى الأخوين مرتاحي الضمير، يلبسان البذات الأنيقة ويركبان السيارات الفارهة ويمارسان حياتهما العادية بكل تفاصيلها، ويوجد شيء يؤلمها أكثر من الذي ذكرت، المؤلم أكثر أنها ترى أولادهم وقد كبروا وتشعر أنهم يمشون على وفي عينيها وقلبها في ذهابهم إلى مدارسهم وجامعاتهم, وعند إيابهم، وتفكّر من يأخذ حق ولدها؟ هي تركتهم لله، والله يزيدهم؟ فقط ولدها يُحرم من الاستقرار ويدفع ثمناً مضاعفاً لذنب اقترفوه.. هم ربحوا المال والجاه، وزيادة على ذلك زوجات وأولاد!

لكن يا صديقي، إذا كان الدين يعتبر أن العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم، ويعتبر أن الذود عن المال والأعراض والأرواح جهادا، وإذا كان الفقهاء يقولون ردّ الحجر من حيث أتت، وإذا كان شرع الله، القاتل يُقتل والزاني يرجم والسارق يُقام عليه الحد، فمن قال المسامح – من البشر كريم؟ ومن قال إن القصاص حرام؟ أتدري ما تتمناه وتحلم به؟ تتمنى أن يخصهم الله بفالق أو هزة تبتلعهم جميعاً أو نيازك من السماء تحرقهم، لعل نارها المتقدة تبرد, ولا تتمنى لهم الموت تتمنى لهم الحياة الطويلة مع العذاب لأن نارها في ازدياد منذ أربعين عاماً, فكلما مرّ الزمن تستفحل مصيبتها على عكس المصائب الأخرى. ستقول حاقدة وكلامها حرام, هذا صحيح من وجهة نظر الفاعل أو المستمع، لكن من وجهة نظرها لا, لا تقل حقداً، كفى كلام, ونظريات، فليضع كل منا نفسه مكانها للحظات, وينظر هل يستطيع التحمل؟

صديقي، أنا أقول: إن المسامح ضعيف، إن الثأر حلال، على الولدين أن يفقدا ما فقد ولدها، على الأقل الفاعل, وشيئاً آخر أودّ قوله: لعلي أخطأت المقدمة، هي من ينطبق عليها قول المتنبي: (كفى بك داءً أن ترى الوت شافيا).

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.