اللوحة: الفنان الفرنسي ألفونس ليجروس
نهلاء توفيق

إنه اليوم التاسع على التوالي الذي أخرجُ فيه من الصباح بعد خروجه للعمل، إلى وقت الظهيرة وقبل عودته بقليل.. السبب حقيرٌ وتافه بنظركم، ولكنه عظيم بنظر امرأة غيورة أرادت الكشف عن الحقيقة واستكشاف سرّ عزوف شريكها عن السرير.. ارتداءُ النقاب مزعجٌ جداً لمن لم تتعوده، والسير به في الطرقات أمرٌ مرهق؛ ولكن لا بدّ من اكتشاف الحقيقة ولا سبيل لملاحقته سوى به.
رَكب؛ ركبت.. نزل؛ نزلت.. تمشى؛ تتبعته.. اشترى؛ توقفت، هل قلتم تعبت؟ لا، لم ولن أتعب، فأنا أبحث عن غريمتي يا هؤلاء، ولأنه اليوم العاشر، كان عليّ أن أستريح قليلاً، تذكروا أني أخبرتكم بأني لم أتعب، ولكنها محاولة لتغيير ديناميكية التخابر.
وهو يقلبُ كتاباً لبائعِ كتبٍ في بسطة؛ رميتُ بنفسي على دكةٍ قريبة وتربعت.. آه رجلاي، لا لا، هي على ما يرام، أنا أراقبه فحسب. للحظات، بدأت العملات النقدية الصغيرة جداً تستقر في حضني، منها الورقية الممزقة، ومنها الحديدية التافهة.
وهي تنزلُ تباعاً، ألهتني مراقبتها باندهاش؛ وفقدتُ تتبعه.
– أووووف، أين ذهب؟ يا إلهي، ما أغباني، كيف أضيعه وأضيع تعبي لعشرة أيام؟
تكاثرت الفكة وثقل ثوبي الأسود، فلممتها وجعلتُ لها صرةً صغيرة من جانب غطاء رأسي وعقدتها، ولكنّها تكاثرت أكثر، فاضطررت لعمل صرةٍ أخرى جانب الثوب.. تكاثرت وتكاثرت، أدخلت قسماً منها جوربيّ.. عجباً، إنها تكثر ُ بسرعة، فما كان مني إِلَّا أن حضنتُ الباقي في شليلي وركضتُ مسرعةً لأقرب باص.
لم أهتم بالعيون التي تحدق فيّ وفِي منظري المثير للتساؤل والريبة، من المؤكد أنهم يقولون في سرهم: شحاذةٌ نسيت «عليجتها في زريبتها» ها ها ها.
لم أنتبه لضحكتي وهي تكسر صمت باص الظهيرة القاتل؛ نزلتُ راكضةً إلى البيت قبل وصولي المحطة القريبة منه.. الخجلُ يملؤني وأنا أفترشُ الأرض، أعدٌ، وأعدّ، وجهي محمرٌ كالطماطم حرّاً وخجلاً، المبلغ كان ساحراً وأحلم أن يعطيني إياه في مصروفي اليوميّ، خبّأته في مكان آمن، ورحتُ أضحكُ كل الوقت بصوت عالٍ إلى أن حضر.
عصراً أخذت ُ الأولاد واشتريت لهم ما لذ وطاب، وما حسُن واستحسنوه. لم أنسَ أن أدللَ نفسي بثوب أحمرَ مزركش.
استغرب وتسائل: من أين لكم هذا؟ من أهلكِ؟
– إممم، ربما.
انتبهتُ بعد عدة أيام أنّ وجهي لم يعد يحمّر وأنّ غيرتي تكاد تتلاشى.. بعد مرور عدة أشهر انتبهتُ أيضاً إلى أن زوجي تنازل بالتدريج عن سؤالي لمعرفة مصدر النقود، وإلى أنني تنازلتُ بالتدريج عن حقي في معرفة غريمتي.