هكذا تُقْطَع الحياة

هكذا تُقْطَع الحياة

اللوحة: الفنان الألماني غوستاف باورنفايند

سافر بشر الحافي “الزاهد الشهير” من بلدة إلى بلدة أخرى، وفي صحبته أحد الفتيان الذين يَلزَمُونه كظِلِّه في كل خطواته، رغبة في التأدب والتعلم على يديه.

 أصاب الفتى الظمأ، فقال له بشر: لنشرب من أول بئر نقابله، وكان في طريق السفر بين البلدان؛ مجموعة من الآبار وأماكن للخدمة ليستريح المسافر وينال الطعام والشراب، وتنال الخيول والجِمال حظها من الصيانة والراحة والغذاء.

 وعندما بلغا مكان الاستراحة الأول؛ توجه الفتى للبئر ليشرب، فأمسك به بِشر وقال له: لنشرب من البئر التالي، خضع الفتى لأمر أستاذه، ولما بلغا مكان الاستراحة الثاني وتوجه الفتى للبئر؛ قال له بشر: لنشرب من البئر الذي يليه، وهكذا؛ قطع المسافران الطريق كله بين البلدتين؛ دون الشرب من أي بئر، حتى بلغا البلدة التي يَقصدانها، عندها قال له بشر: الآن اشرب.ولما أرتوى الفتى؛ قال له بشر: هكذا تُقْطَع الحياة.

المهارة في سياسة الحياة؛ أنْ نعرف متى نشرب، والشرب هو الجائزة، جائزة بلوغ الهدف وتحقيق المراد، ومنْ كافأ نفسه أثناء الطريق؛ يصعب عليه أن يُكمل سيره للهدف، وكما قال الحكيم موبِّخا من يستعجل من تلاميذه: ألم تروا إلى العامل إذا عَمل، كيف يلبس أدْنى ثيابه فإذا فرغ اغتسل ولبس ثوبا نقيا، وأنتم تلبسون ثياب الفراغ قبل العمل!

كان مُعَلِّمي يُوبِّخني عندما يَغلبني الملل ولا أتمَّ هدفي، ثم أشرع إلى عمل جديد ثم لا أتمَّه أيضا، وكان يُحذرني من المهام غير المكتملة، يقول لي: إياك وهمة الحمار غير الأصيل، ثم ضرب لي مثلا فقال: الحمار غير الأصيل، قبل الكوبري بأمتار كثيرة ينطلق بكل نشاط وقوة، حتى يأتي أول الكوبري فتنفذ طاقته ويهبط نشاطه ويسير في ضعف وخمول ولا يستطيع عبور الكوبري، أما الحمار الأصيل فيمشي الهوينى ويدخر طاقته حتى يقترب من الكوبري فينطلق سريعا وبقوة فيعبره بسهولة ونجاح، فوضعت للمصطلح مفهوما في خيالي: “الهِمَّة المتهوِّرة والمنْقَطِعة” التي تَنشُب في عنف، ثم تخمد في فتور ومَلل، وأنني يجب أنْ أحافظ على سخونة الهِمَّة وحماسي لها حتى نهاية إنجاز الهدف.

ولو تأملنا تاريخ بلادنا لوجدنا أنَّ هناك عشرات المشاريع الكبرى التي تم افتتاحها باحتفالات هائلة وحضور الزعماء وقص الشريط والتصفيق، ثم تلا ذلك إنفاق مادي كبير ثم سكون ونِسيان.

عندما ينتصر الفريق القومي في مباراة، تمتلئ البلاد بالأفراح والأغاني الحماسية وأناشيد النصر والفخر، ونغني (تحيا مصر ومصريتنا حماها الله والمصريين أهمّه)، والذي ننتهي إليه عادة هو مشاعر الإحباط والخَيبة فلا نصل إلى نهاية البطولة، يكفينا أننا نحتفل مبكرا ونشرب من البئر الأول.وفي قصة بشر الحافي خيط يرشدنا إلى السبب في أنَّ أغلب جهدنا في المجتمع يُهدر ويتبخر، رغم أن البدايات قوية.

في رواية رودين التي كتبها الكاتب الروسي”إيفان تورغينيف” يقول: “إنَّ المرء إذا تحدَّث عما ينتوي أن يفعل؛ قبل أن يفعل، يجلب على نفسه الضر، وكان مثله كمثل؛ من يخز ثمرة على وشك النضج بدبوس، إنَّ في ذلك مضيعة للجهد؛ وإهدارا لعصير الحياة” وهكذا نجد أن الشرب المبكر والحديث المبكر، يثقب الثمرة المَرْجوَّة مبكرا فتتلف قبل نضجها.

في فيلم “سنة أولى نصب”؛ يقوم الفنان المصري حسن حسني في “الجيم” بتمارين لاكتساب لياقة بدنية، يوجد رجلان على يمينه ويساره يحملان الثقلين نيابة عنه؛ بينما هو يقوم بالعد محاولا أن يصل لرقم قياسي، وفي تمرين الضغط؛ يَحمله الرجلان صعودا هبوطا، ويُحصي العدد، ثم يقول مُعربا عن رِضاه الزائف عن نفسه في فخر؛ “كويس كده”

وهنا يقفز إلى ذهننا سؤال؛ هل نحن كأفراد مجتمع وشعب، مثل هذا المحمول الذي يحسب إنجازات غيره، أم نحيا على جهدنا الجسدي والفكري؟ ألسنا كمجتمع وأفراد محمولون من السلطة ونتعامل كأننا ريشة في مهب إرادتها، تُرضعنا وتُهملنا وتحكم علينا أو تحكم لنا، وتضع لنا القضبان ونحن نسير عليها؟

هناك فيلم شهير بعنوان (سواق الأتوبيس)، تم اختيار الفيلم كثامن أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية، بطولة “نور الشريف”، وفيه كلمة، أراد المؤلف أنْ يختزل فيها الفكرة وهي الكلمة الجوهرة، وكانت عبارة عن سِباب يوجهه بطل الفيلم لأحد النشَّالين في الأتوبيسات، يصرخ بها ويَنْثرها في كل الاتجاهات لينفث عما يكاد ينفجر بداخله من غضب ممزوج بالعجْز، العجز عن نَجدة أبيه المريض المَدْيون؛ والذي لم يجد مِن أقرب الناس إليه من يَسنده في محنته، بل وجد الأخوة والأهل يتنافسون في استغلال الحدث لصالحهم ومنفعتهم الذاتية، وفي القصة يبرز انكماش وانعزال أفراد المجتمع نَفسيا وشعوريا وماديا بحيث لا تتبقى أي عاطفة أو نجدة لتنفق خارج نطاق كل أسرة، حتى لو كان هذا العطاء للأب العجوز الذي كان هو السبب في يُسر وثراء كل أبنائه، اكتشف بطل الفيلم ولأول مرة في اختبار حقيقي للجميع، أنَّ أخوته جميعا أصبحوا غُرَباء وكأنَّه لا يعرفهم ولم يعرفهم، أصبحت كل أسرة وكأنها قبيلة وحدها في جزيرتها، لا يهمها منْ حولها وما حولها.

في أحد المساجد والإمام يلقي درسا على الناس؛ الناس الأتقياء المُنْصتون في خضوع وخشوع؛ استأذن شاب من الواعظ في إلقاء كلمة يوجِّهها لهم، قام الشاب بذكر بعض الأمراض المجتمعية التي تمَس الكل، وذكر أننا جميعا من تَسَبَّبنا في تلك الأمراض ونستطيع بجهد يسير وتعاون وقرار أنْ نتغلب عليها، وكلما أشار إلى ظاهرة عبَّر عنها بأنها إهانة للجميع، ولكنَّ الناس نظروا إليه في بلادة؛ وكأنه يتحدث عن مشكلة في كوكب آخر، وعيونهم البليدة والساخرة تقول له: هذه ليست وظيفتنا؛ بل مهمة الدولة؛ ونحن لسنا مسؤولين، بل نحن أصغر من تناولها وحلها، توقف الشاب ثم هز كتفيه وانصرف، ثم عاد القوم ينصتون في خضوع وخشوع للواعظ الذي يكرر قال الله وقال الرسول، الواعظ الذي وجد خطاب الشاب خارج المقرر، فأعرض عنه وأعاره أذنا صمَّاء مثل الآخرين. 

في اليوم التالي، وفي مسجد آخر، تكرر المشهد؛ وطرح الشاب مشكلة أخرى، وعبَّر عنها ثانية بأنَّها إهانة وعار للجميع، ولم يشعر أحد بالإهانة، وصبروا عليه كثيرا حتى انصرف عنهم ثم اسلموا آذانهم للواعظ الذي يَحقنهم بجرعة الوعظ الذي أدمنوه، ظل الشاب يفعل هذا في كل مناسبة ولشهور طويلة، وفي يوم عقب الانتهاء من دعوته لهم؛ طاش صوابه وفقد رشده وصرخ فيهم قائلا: ألا تشعرون بالإهانة؟ ولما لم يجد صدى؛ قال لهم: يا أولاد الكلب! (مثلما كان يردد سواق الأتوبيس في الفيلم)، فاشتعلت وانطلقت كرامتهم الطائشة أخيرا، وأخرجوا فيه كل الطاقة التي أراد الشاب أنْ يخرجوها في إصلاح المجتمع.. «الله يرحمه ويتقبله عنده في الشهداء.. تفرق دمه بين القبائل»

في منتجع سياحي؛ تقول امرأة عجوز لأخرى: الطعام هنا شَنيع و مُقَزِّز، ردت عليها جارتها مؤكدةً على كلامها: عندك حق؛ وكميات صغيرة جدا! كذلك شعورنا نحو الحياة، فنحن نشتكي منها ونتحسر أنها مليئة بالعزلة والبؤس والعذاب والتعاسة، لكن يا خسارة؛ تُخْتَم سريعا.

نحن في حياتنا كشعوب ومجتمعات، نشتكي كثيرا ودائما، نتذمر من كل شيء ونذكر كل عيب، ولكن يا خسارة؛ نتمسك بما نشكو منه ونريده أنْ يستمر، مشاعر متضاربة وغير مفهومة ولكنها مشاعر ضارة، نلعن الراقصة ونحن نُبَحْلق فيها ونكاد نأكلها بأبصارنا وغرائزنا، هل تذكرون مشهد الزوج الذي يَخطب في الناس ليحثَّهم على أن يتمسكوا بذكوريتهم وأن يكونوا سي السيد في بيوتهم، ويوبِّخ كل من يطيع امرأته أو يترك لها الحبل على الغارب، وأثناء اندماجه في الوعظ، تأتي زوجته من بعيد وتقترب للجمع وتنادي بصوت مسموع: تعالى يا أحمق، فيبتسم ويتحول لحَمَل وديع ويسير وراءها دون أنْ يلتفت لأحد؟ هل أقول لكم المشهد الأشد تناقضا، أنَّ الجمهور لا يَشعر بأي تناقض بين كلامه وبين خُضوعه لزوجته وتقبَّله لإهانتها. 

هذا حال كل أفراد المجتمع، يشتكي ويلعن ويُجرح ويتألم، بل ويضحك ويُنّكِّت ويسخر، ولكنه يُقَبِّل يد من يلعنه ويشكوه، ومن يلعنه ويشكوه ليس شَرطا أن يكون شخصا، بل ربما ضَعفا، فهو يشكو الفساد ويخضع للفاسدين ويكون خادما للفساد، يعيش التناقض كما يسير البهلوان على مختلف الحبال.

إنني أرى المجتمع مثل المريض الذي تنتشر فيه الأمراض الكثيرة والخطيرة والتي ليست مُزمنة، ولكل مرض وحده علاج شافٍ، ولكن الخطورة في أنَّ هذه الأمراض معا لو تُركت مجتمعة لأودت بحياته، وهذا المريض مطروح على سرير العناية الفائقة، وكل الأجهزة متصلة به، ولكن لا تعمل، لأنَّ تحت أصابع يده يوجد زر صغير، عليه فقط أنْ يضغط عليه، ولديه القدرة على ذلك، ولكنه لا يفعل، بل يستمتع بالغيبوبة اللذيذة التي تنشرها الأمراض في جسده، ويؤجل الضغط على الزر أو ينتظر من يضغط عليه نيابة عنه.هذا مجتمعنا وكل مجتمع بشري، مهما كانت مشاكله فهي قليلة لو تعاونوا بوعي على حلها، وهي سرطانية مُهلكة لو تغلبت الأنانية والسلبية وعملوا في دوائر بلا أسنان وزهدوا في مطاردة الوعي.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.