قصتان: حدث ذات.. سفر جميل

قصتان: حدث ذات.. سفر جميل

اللوحة: الفنانة المجرية إلكا غيدو 

سليم الشيخلي

حدث ذات..

استيقظ على كرسي طبيب أسنان، تمنى لو كانت أنثى، التفت يساراً فلم ير جدارا فالشارع جنبه، نهض ليسير مع أبيه وابنه الذي أفلت من يده ليختفي خارج إطار الشاشة اليسرى.

أحس بألم حاد في اللامكان من جسده يسير معه والأب يبتعد، حاول اللحاق به لكن عربة عسكرية محملة بجنود عراة وغدارات تستر عورتهم حالت بينهما. توف يقرأ إعلاناً وإذا بهرة تهز بنطاله، فدخل بقالة وأشترى علبة سجائر، خرج من الباب الخلفية ليطل على قرية هادئة تكتظ بالنخيل والغروب يتذكر منها جدته حول التنور فخفق قلبه، لكنها لم تبتسم.

  • جدتي، الله ما أجملك! كم مضى من عمر ولم نتقابل.

يبدو أنها لم تسمعه، يقترب من باب عالية عتيقة يعرفها لكن الوطاويط الحديدية ملأت الأفق لتزكم ذاكرته المشوشة. العسكر يقتربون وصوت المذيع يندد بالإمبريالية والصهيونية.

تدخل الجدة والخبز على رأسها وتغلق الباب بحدة، يتذكر سلوى أول حب، العسكر يحجبون النور، يمد يده للخلاص والظلمة تدفعه إلى دهليز في نهايته ذبالة ضوء هرمة، أحس بارتياح ومشى نحو النور متأملاً لوحات يتذكر منها الجورنيكا، صرخة سامي محمد، تمثال الحرية ببدلة رقص شرقية، امرأة عارية، بوستر لفيلم زد و كرسي كهربائي. تهبط كف على كتفه وتهزه.

  • اسم الله عليك.. ما بك؟

واو حبيبتي.. قضيت على حلم جميل، معك كنت أرقص التانغو على ساحل تاهيتي.

سفر جميل

فوجئت.. عباءات تملأ الصالة والشفق يكاد أن ينهي رجولته، واقفة جالسة بملامح ضبابية تثير هواجساً ورديةوتدير ظهرها لي. لن أشك بشقتي فلقد فتحتها بمفتاحي هذا تواً.. تلمست جيبي فلم أحسها، استدار قسم ورمقني بنظرة جافة وعاد يتمتم أدعية عتيقة. 

من بين فتحة صغيرة أطل وجه أمي فابتسمت، أشرت لي بالاقتراب، دنوت ببطء متلفتاً علنًي أعرف بعضهن وظلت أسرارهن كما هي. من بين سمراوين شققت دربا ناعماً يحرك أجنحة فراشات تهذي بالدفء. سرن بي إليها، تبسمت ملائكيتها بمكر حمامة نسيت عشها فخفت حيرتي بفقدانها، الذاكرة والنور في آن واحد فما زلنا في زمن المعجزات بلياليها وبخورها، دفء بالألوان سرى في دمي فتواجدت عبقاً، قبلت كفها الصغير بعروقه الأسطورية.

  • كيف حالك ؟
  • بخير. أراك ملء دهشتي ليبدو الرحيل حفلة ميلاد.
  • وهؤلاء ؟
  • قريبات من القلب.

زغردن يخفقن أذرعهن طيراناً والظلمة تتقدم كالسلاحف.

  • اقترب.

دنوت، قبلتني، وضعت راحة يدي نسمة خجولة وأول صورة التقطت لي معها ورحلت معهن. قمت من سريري مبتسماً، دخلت غرفتها كانت تحاكي لعبتها.

  • سيأتون.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.