اللوحة: بورتريه للشاعر محمد الماغوط بريشة الفنان السوري ثائر هلال
فواز خيّو

جاء هذا الطفل، من أدغال الماضي، شاردا، شاذا، عاقّا للمجتمع، للوطن، لكل القيم البائدة، السائدة.
له وطنه الذي يرسمه ويحلم به، لا الأوطان التي تتجسّد فقط على الشاشات.
ترك المدرسة، لأنها ضيقة على روحه. وفضّل أن يدرس فلسفة الريح والعواصف، والغيم الذي يهطل حتى في غير موعدة.
كانت الأرصفة والمطر والزمهرير، بيته المفضل.
أنا لم أحب الماغوط، بل امتزجتُ به.. علاقتي به علاقة دم.
في هكذا أوطان، لا يمكن أن يكون الحبر صافيا، فالحبر في المحبرة، ممزوج بالدم والدموع والأحلام.. غمسنا ريشتينا في نفس المحبرة.
في هذا الشرق؛ كل شيء مغامرة. الولادة مغامرة، الحياة مسير بين الألغام، الحب كمين.
كل شيء محفوف بالمخاطر، حتى الهواء يجب أن تتذوّقه قبل أن تتنفّسه، فقد يكون مغشوشا أو مسموما.
وكم تكون بين الأمواج، فيمتد إليك حبل النجاة، واذ يلتفّ على عنقك، بدلا من أن ينتشلك.
عاش عاريا، باردا، حالما، باكيا، ثائرا، نافرا من كل شيء.
هذا الطفل الجامح، حتى لعبته الجميلة، سنية الصالح، حطمها بيديه، وأمضى بقية عمره يبكي عليها.
بُحّة صوته حزن عريق عريق.
حتى دموعه تتبخّر قبل أن تراها.
لكنها تصدمك في كل جملة من قصيدة أو مقالة.
قلت مرة: إنه لم يكتب بالقلم. بل بأظافره، أو بالسكين.
هذا الحاضر، وهذا الماضي، وذلك المستقبل؛ ليس هناك من وسيلة تستطيع أن تعبّر بها عنه.
فقط، الوسيلة الوحيدة، هي أن تضرب رأسك بالجدار، حتى تفتك به، أو يفتك بك..
(إذا كتبت، أموت من الخوف.
واذا لم أكتب؛ أموت من الجوع).
الماغوط سخي دائما، فهو يدعوك للدخول الى مغارته. ليمارس عليك أبشع انواع التنكيل والتعذيب، حتى تخرج مرتعدا، كافرا بكل شيء.. حتى عناوين مجموعاته، توجه اليك أصابع الاتهام والإدانة:
الفرح ليس مهنتي، سياف الزهور، غرفة بملايين الجدران، حزن في ضوء القمر، والكتاب الذي جمع فيه مقالاته/ سأخون وطني/..
(أيها النسّاجون، أريد كفنا واسعا لأحلامي).
عام 1956، اغتيل الضابط الوطني والذي يحظى باحترام كبير، العقيد عدنان المالكي، على يد رقيب في الشرطة العسكرية، تابع للحزب القومي السوري. ومع أن قيادة الحزب رفضتْ وأدانت الاغتيال وتحدّت أن يكون هناك قرار باغتياله. وهناك مؤشرات قوية على أن الرقيب ليس أكثر من وسيلة بيد جهات نافذة من أجل تصفية القومي السوري. وهذا ما حصل.
كان مشروع الحزب القومي السوري هو النقيض والضد للمشروع الصهيوني جغرافيا وسياسيا.. وحين أعدم الزعيم أنطون سعادة أعدم مشروعه عمليا.
قلت مرة في تعليقي على اغتياله واغتيال عبد الناصر: غالبا الكبار لا يتركون خلفهم كبارا.
قال لي أحد الاصدقاء: بعد اغتيال المالكي بأربع ساعات، كنا خمسة آلاف من القومين في السجن، وكان الدم يتطاير من أرجلنا الى السقف، أثناء الضرب.. كانت الأمور مُدبّرة وجاهزة.
دخل الماغوط الى السجن، كونه محسوبا على القوميين، ولاقى ما لاقى، وكان في الثانية والعشرين من عمره.. كانت تجربة صادمة ومؤلمة لشاعر حالم بإنشاء وطن، ولو على الورق.
—–
دموعي زرقاء من كثرة ما نظرت الى السماء وبكيت..
دموعي صفراء، من كثرة ما حلمت بالسنابل الذهبية وبكيت.
فليذهب القادة الى الحروب
والعشاق الى الغابات
والعلماء الى المختبرات.
أما أنا، فسأبحث عن مسبحة وكرسي عتيق
لأعود كما كنت حاجبا على باب الحزن
ما دامت كل الكتب والدساتير والأديان، تؤكد أني لن أموت إلَّا
جائعا أو سجينا..
—-
أيام الوحدة، لوحق الماغوط، وتخفى عن الأنظار، وكانت سنية تأخذ له الطعام الى حيث يختبئ يوميا.. سنية الصالح الشاعرة الجميلة، والتي أحبته كثيرا وأحبها أكثر.
لم تكن حياتهما معا على ما يرام.. بكاها كثيرا وكتب فيها شعرا كثيرا، ويعترف أنه ظلمها في حياتها وقسا عليها، ولم يعطها حقها.. لم يتزوج بعدها، حفاظا على شام وسلافة، ابنتيه الجميلتين.. وحسب معلوماتي أنه لم يعرف امرأة بعدها.
كتبت مرة: كان الماغوط كطفل حطّم لعبته الجميلة، وأمضى بقية عمره يبكي عليها.
ربما لا تصدقون أني لم أجرؤ أن اسأله مرة واحدة عنها، كي لا يضعف أمامي.
لم يكن بيننا حاجز.
فقد كنت اسأله في كل شيء. حتى علاقاتي العاطفية كنت أستشيره فيها، لأنه كان في صورة كل أمور حياتي. وكان ينصحني، كأن يقول لي: هذه تصلح كحبيبة، لكن لن تكون زوجة تضمن لك الاستقرار.
ثمرة سجنه أثناء فترة الوحدة، كانت رواية الأرجوحة، هذه الرواية التي تختزن أكواما من القهر.
/ دبّاح، كنت أرتعب منه خارج السجن، والأن يرتعب مني داخل السجن.
بيدي قدمتُ له القهوة خارج السجن، وبيدي جلدته داخل السجن. ولا أدري الى متى سيستمر هذا السحاق الحيواني بيننا وبين العالم /.
وفهد التمبل بطل الرواية، وهو الماغوط، يقول:
كنت أحلم أن أغيّر العالم، والآن حلمي يتلخص بأن يُسمح لي بالذهاب الى المرحاض لأفرغ مثانتي.
يقول عن عبد الحميد السراج، رئيس المخابرات أيام الوحدة، ثم وزيرا للداخلية: لقد كان مؤسس أول فرقة للبولشووي، للرقص في كل الاتجاهات.!!
ثم هرب الى لبنان، ليبدأ مسيرته مع مجلة / شعر / التي أسسها يوسف الخال، وكان من فرسانها أدونيس وأنسي الحاج وفؤاد رفقة والسياب، ولتبدأ انطلاقته نحو العربية.
مرارا اغرورقت عيناي، وأنا أتنقل بين عوالمه وعوالم سنية، التي رحلت كثيرا قبل أن ترحل.
كانت تُزيّن الصالون بصور الماغوط، وليس بينها صورة لها.
يرثيها قائلا:
ثلاثين سنة وأنت تحملينني على ظهرك، كجندي جريح.
ولم أستطع أن أحملك بضع خطوات الى قبرك.
أزوره متثاقلا، وأعود متثاقلا،
لأني في حياتي كلها، لم أكن وفيا أو مباليا بحب أو شرف أو بطولة.
هذه هي عبثية الوجود، عند كل من يحلم بفضاء دافئ، في هذا الشرق القارس والمهلك.
تقول سنية في إحدى قصائدها:
أيها الطائر المحلّق عبر الآفاق
تذكّر أن الرصاص في كل مكان.
تذكّرني أنا المسافرة الأبدية
طوال حياتي أغذّ السير
وما تجاوزت حدود قبري.
—–
مرة استدعت بلدية لندن برنارد شو، وقالت له: قررنا أن نقيم لك تمثالا في إحدى ساحات لندن.
سألهم: كم يكلف التمثال؟
قالوا: مئة ألف جنيه.
فقال لهم: اعطوني نصف المبلغ، وأنا سأقف بنفسي في الساحة.
الجملة تبدو ساخرة ومضحكة، لكنها مؤلمة.
فالكاتب غالبا يعيش على الكفاف.
علمتُ أخيرا أن شباب السلمية انتزعوا قرارا من البلدية، لإقامة تمثال للماغوط، في ساحتها الرئيسية.
أبا شام، ستقف عاريا وباردا تحت المطر والريح والبرد، لتتابع حياتك العادية بعد الموت.
كم حننتَ الى الأمان و الدفء.