ترجمة صالح الرزوق

ترجمة الفصل السابع من كتاب “نحو أدب أقليات” لجيل دولوز وفيليكس غوتاري، طبعة جامعة مينيسوتا، ترجمه إلى الإنكليزية دانا بولان Dana Polan
تتكون بعض السلاسل من أوضاع خاصة. وتتوزع هذه الأوضاع عبر السلسلة العادية، في نهاية السلسلة، أو بداية غيرها، وهكذا تميز الطريقة التي تتصل بها او تتحول أو تستطيل – الطريقة التي يضاف بها جزء لآخر أو يولد جزء من آخر. وهذه السلاسل الخاصة تكون مركبة من أوضاع هامة تؤدي دور صلات وصل، لأنها في كل حالة تستعمل الرغبة كأداة وصل في حقل الحتمي. مثلا يستحوذ نمط المرأة الشابة على كافكا، حين يقابلها كاف في “القلعة”، وكذلك في “القضية”. ويبدو أن النساء الشابات ملحقات بهذا الجزء أو ذاك: وهكذا تتصل إلسا، صديقة كاف قبل اعتقاله، بفقرة عن المصرف ولكنها تجهل كل شيء عن “المحاكمة” – واتصالها لا يترك لكاف نفسه، وهو يبحث عنها، مجالا للتفكير بالمحاكمة، ويحلم بالمصرف فقط. والمرأة الغسالة تتصل بفقرة عن النشطاء التابعين، الشرطي، والقاضي. وليني تتصل بفقرة عن المحامين. في “القصر” تتصل فريدا بجزئية عن السكرتيرات والنشطاء، وأولغا تكون ملحقة بفقرة عن الخدم.
ولكن الدور المؤثر الذي تؤديه تلك النساء، في السلاسل المتعاقبة، يقودهن معا لتأليف سلسلة عجيبة تتطاول بطريقتها الخاصة، وهو ما ينفذ ويرن في كل الفقرات. وهذا ليس في كل فقرة من الفقرات العديدة وعند نقطة انعطاف (مع أن ليني تعانق بنفس الوقت المحامي، والمدان، والكتلة، وكاف)، ولكن هناك المزيد: كل منهم، ومن وجهة نظرها في هذه الفقرة أو تلك، يكون على “احتكاك”، وب “اتصال”، و”تلامس”، مع الشيء الجوهري – وهذا الشيء هو القلعة، المحاكمة، وهو ما نفهم أنه عبارة عن سلطات نهائية للمستمر (تقول أولغا “ليس فقط من خلال الخدم أنفسهم أحقق الاتصال بالقلعة… ربما ‘والدي’ سيغفر لي، أيضا، لأنني قبلت النقود من الخدم، وأنفقته على عائلتنا”).
ولذلك بوسع أي امرأة منهن أن تمثل لكاف شكلا من أشكال العون. وفي الرغبة التي تصورهن، وهي الرغبة التي لديهن، يقدمن أعمق دليل على شخصية العدالة، والرغبة، وشباب المرأة، أو البنت الصبية. المرأة الشابة تشبه العدالة: المفهومان بلا مبادئ. صدفة مطلقة، “فهي تستقبلك حينما تأتي وتصرفك حينما تذهب”. وكما تقول عبارة قصيرة في القرية التابعة لل “القصر”: “قرارات الإدارة مترددة مثل البنات الصغيرات”. ويقول كاف لجيريمي الذي يسرع نحو فندق الموظفين “هل تمكنت منك رغبة مفاجئة نحو فريدا؟ أنا شعرت بها أيضا، ولذلك سنذهب معا جنبا إلى جنب”. بمقدورنا النظر لنقائص كاف، أحيانا كشخصية خشنة، وأحيانا كشخصية عاطفية أو متولعة، وهذه هي طريقة عمل العدالة. ويمكن التعبير عن ذلك بشكل أفضل إذا قلنا إن الاستثمارات الاجتماعية بحد ذاتها إيروتيكية، وبالعكس، أشد جوانب الرغبة إيروتيكية تفرض استثمارا سياسيا واجتماعيا، وتتورط بحقل اجتماعي بشكل كامل. ودور البنت الصغيرة أو المرأة الشابة ينتهي حينما تكسر الفقرة، وتدفعها للرحيل، تدفعها للهرب من الحقل الاجتماعي الذي تشارك فيه، تدفعها للرحيل على طول خط غير محدود باتجاه الرغبة غير المحدودة. ومنذ باب المحكمة حيث يعتدي على المرأة الغسالة طالب، تدفع كل شيء للهرب – كاف، القاضي، الحضور، الجلسة نفسها. وليني تدفع كاف للهرب من الغرفة حيث يكون العم والقاضي والرئيس يتكلمون، ولكن بهذا الرحيل، يكسب المزيد من التحكم بالقضية. وتقريبا دائما تجد امرأة باب الخدمة، وهذا يعني، أنها تكشف تماس ذلك، مع أننا قد نفهم أنه بعيد، وهو يستعيد ويفرض سلطة مستمرة. يقترب القس في “القضية” من كاف ويقول له: “أنت تعطي المساعدة الخارجية أكثر مما يجب، وبالأخص من النساء”.
ما هو إذا نوع النساء ذوات العيون الحزينة والسوداء؟.
لديهن رقاب عارية، وغير مغطاة. ينادينك، ويلقين أنفسهن عليك، ويجلسن على ركبتيك، ويأخذن بيدك، ويعانقنك وترد لهن العناق، ويقبلنك ويتركن أثر أسنانهن عليك، بالمقابل انت تترك أثر أسنانك عليهن. ويعتدين عليك ويسمحن بالاعتداء عليهن، وأحيانا يخنقنك وحتى أنهن يضربنك. هن طاغيات ولكن يسمحن لك بالانصراف أو يطردنك. يطاردنك ودائما يصرفنك بعيدا. ولدى ليني أصابع متصلة مثل بقايا تحول حيواني. وأيضا تمثل النساء بدقة خليطا متساويا من الأشياء. فهن من ناحية أخوات، ووصيفات، وعاهرات. وهن ضد المساكنة وضد الظاهرة العائلية. ويمكننا رؤية كل ذلك في القصص: الأخت في “المسخ”، وهي عاملة وضيعة في متجر، تصبح وصيفة عند غريغور – الحشرة. وتمنع الأم والأب من الدخول إلى الغرفة، وتقف ضد غريغور فقط حينما يبدو مهتما بلوحة السيدة ذات للفراء (ثم تسمح الأخت لنفسها أن تستعيدها العائلة في نفس الوقت الذي تقرر فيه أن غريغور ميت). وفي قصة “وصف صراع” الوصيفة أنيت من يقرر كل شيء. وفي قصة “طبيب القرية” يهاجم العريس الوصيفة الشابة روزا، مثلما هاجم الطالب في “القضية” المرأة الغسالة، ويطبع على خدها “أثر صفي أسنانه” – وتكتشف الأخت جرحا فتاكا في خاصرة أخيها. ولكن هناك تطورات أعمق تلحق بالنساء الشابات في الروايات. في “أمريكا” تعتدي وصيفة على كاف، وتسبب له النفي، وذلك أول خسارة للأرض (يوجد علامة تدل على الاختناق وهي متشابهة على نحو ملحوظ بالاختناق الذي ينتاب الراوي في بروست حيننا يقبل ألبيرتين). ثم هناك أخت لعوب، وغامضة ومتسيدة، وكانت تحاصر كاف بضربات جودو، وكانت تشغل موقعا مركزيا في انقطاع العم، وهو ثاني إلغاء لأرض البطل (في “القصر”، كانت فريدا نفسها، ولأسباب لا تمت بصلة للغيرة، ولكن بسبب قرار القضاء، تتسبب مباشرة بالانقطاع، وذلك بالإشارة إلى خيانة من كاف، فقد فضل كاف “اتصاله” مع أولغا، أو مع فقرة أولغا). وتضاعف “المحاكمة” و”القصر” من هذه النساء واللواتي توحدن بطرق مختلفة صفات الأخت والوصيفة والعاهرة. جدير بالذكر أن أولغا كانت عاهرة لدى خدم القصر، وهكذا. وهذه صفات ثانوية لشخصيات ثانوية – وهو جزء من مشروع أدبي يتعمد أن يكون ثانويا ويأخذ قوته الثورية من ذلك. وهذه الصفات الثلاثة تتوافق مع ثلاث مكونات من خط الهرب، وكذلك لثلاث درجات حرية هي: حرية الحركة، حرية العبارة، حرية الرغبة.
أولا، هناك الأخوات. وباعتبار أنهن ينتمين للعائلة، لديهن رغبة عظيمة في دفع الآلة العائلية للإقلاع والهرب. “في الماضي، خاصة، وأنا برفقة أخواتي كنت مختلفا عن ما أنا عليه برفقة الآخرين. لا أهاب، وشديد العزيمة، وأبادر بالعمل، وكثير الحركة، كما هو الحال حينما أكتب”(1). (كان كافكا دائما يعرف الإبداع الأدبي كأنه إبداع عالم صحراوي يسكنه أخواته وهناك يستمتع بحرية لامحدودة في الحركة). ثانيا، هناك وصيفات، موظفات وضيعات، وهكذا. ومع أنهن في الآلة البيروقراطية لديهن رغبة قصوى بدفعها للهروب. وصوت الوصيفات بلا معنى وليس موسيقيا. وهو الصوت المولود من الصمت، وكان كافكا يبحث عنه في كل الأنحاء، حيث اللفظ هو جزء من التركيب التراكمي، الشكوى الجماعية، ودون ذات اللفظ الذي يخفي ذاته أو يشوهه. مادة تعبير نقية ومؤثرة. من هذه تتطور صفة للشخصيات الثانوية، وتكون جاهزة للتعامل مع الإبداع الأدبي: “هذه التحركات الجانبية الصامتة تفعل كل ما يمكن توقعه منهم… إذا تخيلت أنه ينظر لي بوقاحة، فهو يفعل ذلك”(2).
ثالثا، هناك العاهرات. بالنسبة لكافكا هن عند تداخل كل الآليات – العائلية، الصدفوية، البيروقراطية – وهذا يعني أنها كلها قادرة على التحريض للهروب. والربو الخانق أو الإيروتيكي الذي يسببنه لا يأتي فقط من ضغطهن ووزنهن المطبق على الزبائن، فهو لا يستمر طويلا، ولكن من حقيقة أنه بوجودهن يمكن للمرء أن يدخل بعمق على طول خط الهرب، “أبعد من أي مكان بلغه الإنسان من قبل، بلد غريب ولا حتى الهواء يشبه هواء موطنه، وحيث يمكن للمرء أن يموت من الغربة، ومع ذلك يكون سحره مؤهلا لبحث المرء على المتابعة ويفقد ذاته أكثر”(3).
ولكن أيا من هذه العناصر بحد ذاته لا يكون له قيمة، الثلاثة ضرورة بنفس الوقت، وفي نفس الشخصية لو أمكن، كي تشكل التوليفة الغريبة التي طالما حلم بها كافكا. أن ترى أنها وصيفة، ولكن أيضا أخت، وكذلك عاهرة (4). الصيغة المدمجة، والتي لها قيمة مركبة فقط، تقود إلى حالة شيزو – زنى محارم. ولأن التحليل النفسي لا يفهم شيئا، يقع دوما في الخلط بين نوعين من زنى المحارم: يتم تقديم الأخت كبديل عن الأم، والوصيفة كمصدر أصلي للأم، والعاهرة كرد فعل – تشكيلي. وتفهم مجموعة “أخت – وصيفة – عاهرة” على أنها انحراف مازوشي، ولكن بما أن التحليل النفسي لا يفهم أيضا أي شيء عن المازوشية، ليس علينا أن نقلق كثيرا حول ذلك.
(ملاحظة قصيرة عن المازوشية. لا يشترك كافكا بأي شيء مع المفهوم الذي تقدمه كتب التحليل النفسي. ما توفر لدينا عن علم النفس في القرن التاسع عشر وبدايات العشرين يقدم صورة سريرية أدق بكثير عن المازوشية. ولكن يمكن لكافكا أن يتقاطع مع المخطط الحقيقي للمازوشية ومع زاخر مازوش، الذي ظهرت موضوعاته لدى عدد من المازوشيين، حتى لو أن هذه الموضوعات تراجعت في التفسيرات الحديثة. ويمكننا الاقتباس بشكل عشوائي: الميثاق مع الشيطان، “عقد” مازوشي يعارض التلامس ويعمل جهده للتخلص منه. الإعجاب ب، وضرورة، الرسائل مصاصة الدماء – أحيانا يتحكم بالرسائل مازوش، وأحيانا تعلن عنها الإعلانات المبوبة في الصحف كأنها مازوش -دراكولا. وعلى سبيل المثال التحول إلى حيوان في مازوش، والتحول إلى دب أو فرو لا علاقة له مع الأب أو الأم. الاهتمام بالوصيفات والعاهرات. الواقع المؤلم في السجن، والذي لا توضحه حقيقة أن والد مازوش كان مدير سجن فقط، ولكن أيضا، حين كان طفلا، شاهد مازوش سجناء ودخل السجون – وجعل من نفسه سجينا طالب بأقصى درجة إبعاد أو الفائض من الاحتكاك. الاستثمار التاريخي – وقد فكر مازوش بكتابة دورات وفقرات تاريخ العالم من خلال التأكيد بطريقته على تاريخ القمع الطويل. القصد السياسي الحازم – مازوش، الذي له أصل بوهيمي، كان متصلا أيضا بنفس أقليات الإمبراطورية النمساوية مثل كافكا، اليهودي التشيكي. وافتتان مازوش باليهود في بولونيا، وهنغاريا. تشكل الوصيفات والعاهرات جزءا من هذه الأقليات، من الصراعات الطبقية هذه، وحتى لو اقتضت الضرورة ضمن العائلة ومن يحتك بهم.
يبني مازوش أيضا أدبا ثانويا هو حياته الحقيقية، أدبا سياسيا للأقليات. ويمكن أن يعترض أحدهم أن المازوشي ليس بالضرورة مركزيا في إمبراطورية هابسبورغ وهي في لحظة تفككها. طبعا -لكنه دائما لديه الإمكانية لبناء أدب أقلية ضمن لغته، وأن يكون سياسيا في نشاطه. وقد وجد أدوات للتعبير تأسست على صيغة مهاراته المتفوقة، من خلال استعمال أثري ورمزي ومنمط للغة. أو بالعكس من خلال تماسك اللغة التي تستمد من اللغة شكوى واستفزازا خالصا. حقا إن المازوشية ليست هي الطريقة الوحيدة. ولكنها أيضا طريقة ضعيفة. ومن المفيد مقارنة المازوشية، والكافكاويات، وملاحظة الخلافات بينهما، ورؤية الاستعمالات غير المتكافئة للاسم، ولكن في نفس الوقت ملاحظة التشابهات في مشروعيهما المعنيبن.
ما هذه الظاهرة التي تدمج الشيزو – زنى محارم؟. هي التي تعاكسها أساليب كثيرة في زنى محارم أوديبي عصابي. ويظهر زنى المحارم الأوديبي، أو يتخيل أنه يظهر، أو أنه يعتقد أنها تظهر، وكأنها زنى محارم مع الأم، وهي أرض للإقامة، بالأحرى استعادة للأرض. ويتكون زنى المحارم مع الأخت، والتي هي ليست بديلا عن الأم، ولكنها طرف آخر من الصراع الطبقي، طرف الوصيفات والعاهرات، زنى محارم فقدان الأرض. يتوازى زنى المحارم الأوديبي مع قانون تسامي البارانويا والذي يمنعه، ويعمل بهدف تجاوز هذا القانون، ومباشرة إن احتمل ذلك، ورمزيا ليكون على نحو أفضل: الأب المجنون (كرونوس وهو أكثر الآباء شرفا، كما قال كافكا)، والأم الظالمة، والابن المعصوب – قبل أن يصبح بدوره خوافا وقبل أن يعود كل شيء مجددا إلى مثلث عائلي – ومتصل – باعتبار أن مثل هذا التجاوز مجرد أداة بسيطة للتكاثر. والشيزو – زنا محارم يقابل، من ناحيته، قانون الشيزو الجاهز ويشكل خط هروب عوضا عن دورة التكاثر، تطورا عوضا عن العبور (المشاكل نع للأخت أفضل بالتأكيد من المشاكل مع الأم كما يعلم الشيزوفرينيون جيدا). ويرتبط زنى المحارم بالصور، واللوحات، وذكريات الطفولة، طفولة مزورة لا وجود لها، ولكنها تضع الرغبة في فخ التمثيل، وتبترها من كل ارتباطاتها، وتثبتها على الأم وتحولها لمزيد من الإضرار والإفساد، كي تدعم بها بقية الكتابات البينية الأقوى كلها، وكي تمنعها من تعريف نفسها على أنها جزء من الحقل الاجتماعي والسياسي. أما الشيزو – زنى محارم فهي متصلة بالصوت، والنمط الذي يهرب به الصوت، والذي تعلن فيه كتلة الطفولة المحرومة من الذكريات (أو قليلة التذكر) عن نفسها بقوة تامة تداهم بها الحاضر وتنشطه، وتكثفه، وتضاعف من ترابطاته. الشيزو زنا محارم بارتباطاته القصوى، امتداداته متعددة الأصوات، والتي توظف وسطاء مثل الوصيفات والعاهرات والمكان الذي تحتله في السلسلة الاجتماعية – يعارض زنا المحارم العصابي، كما يعرفه قمع ترابطاته، وداله المفرد، والإبقاء على كل شيء ضمن حدود العائلة، وتحييده من أي حقل اجتماعي أو سياسي مهما كان نوعه. ويبدو التعارض بوضوح في “المسخ”، ببن المرأة التي تغطي عنقها، حين تظهر في الصورة كأنها موضوع زنى محارم أوديبي، والأخت، بعنقها المكشوف، وهي تعزف على الكمان، لتكون موضوع شيزو زنى محارم (هل على المرء أن يمكث مع الصورة أم يذهب إلى الأخت؟).
يمكننا فهم الوظيفة التواصلية للنساء منذ بداية “القضية” حيث “امرأة شابة بعينين براقتين سوداوين تغسل ثياب الأطفال في جرن” تشير “بيدها إلى الباب المفتوح في الغرفة المجاورة” (نفس نوع الاتصال يظهر في أول فصل من “القصر”).
وللنساء عدة وظائف. تحدد النساء بداية سلسلة أو افتتاحية فقرة تنتمين لها، كما أنهن تحددن نهايتها، سواء هجرهن كاف أو أنهن من هجرنه، ما دام قد انصرف إلى مكان آخر دون أن يعرفنه. ولذلك تعملن كإشارة يقترب منها المرء ويبتعد عنها. ولكن فوق كل ذلك تكثف كل منهن سلسلتها، أو فقرتها في قلعة أو محكمة، وتضفين عليها لمحة إيروتيكية. ثم تبدأ الفقرة التالية أو تنتهي، ولكنها تترسب فقط، من خلال نشاط امرأة شابة أخرى. ومع ذلك يفعلن سلطات فقدان الأرض ضمن أرض لا يتابعنك وراءها. وعلينا هنا أن حذر من تفسيرين خاطئين بهذا الخصوص: الأول، وفقا لماكس برود لا تزيد الصفات الإيروتيكية عن إشارة سطحية عن إيمان إشكالي، مثل أضحية إبراهام. الآخر نوه له فاغينباخ وتعرف له على الشخصية الإيروتيكية الحقيقية، ولكن ليرى فيها عاملا يؤخر كاف أو يبعده من أهدافه (5). لو هناك أي موقف يشبه موقف إبراهام، ليكن بأقصى تصور موقف العم الأمريكي والذي يطرح موضوع تضحية كاف بشكل حاد. وبلا شك يصبح هذا الموقف أوضح في “القصر”، حين تطرح فريدا نفس موضوع الأضحية من خلال مكاشفة كاف بعدم “وفائه”. ولكن عدم الوفاء هذا يأتي من حقيقة أن كاف قد انتقل إلى فقرة أخرى، تحددها أولغا، ويتسبب بها وصول فريدا التي تسبب نهاية فقرتها ذاتها. وعليه لا تنشط النساء لتنحية أو تأجيل الأحداث في “المحاكمة” أو في “القصر”: إنهن يقدمن فقدان أرض كاف بواسطة خلق أراض، وكل منهن تحددنها بطريقتها، وتسرعن بالتصرف (“رائحة مثل البهار” تميز ليني، رائحة بيت أولغا، بقايا الحيونة).
الهوامش:
1- كافكا، اليوميات. 21 تموز 1913. ص292-293 / تم التدقيق مع ترجمة خليل الشيخ.
2- كافكا. 9 تموز 1914 – 2:71
3- كافكا. القلعة. ترجمة ويلا وإدوين موير (نيويورك: ألفريد أ. نوبف 1962). 54 (مشهد فريدا).
4- يتخلل الصراع الطبقي العائلة والمتجر في مستوى العاملات والموظفين. وهذا أحد الموضوعات المركزية في “رسائل إلى والده” لكافكا (نيوبورك: شوكين بوكس 1966). وتم مقاربة واحدة من أخوات كافكا بخصوص انجذابها لحياة الوصيفات والريف. وأول مرة قابل بها كافكا فيليس، رأى أن لها “حنجرة عارية”، “وتقريبا أنف مكسور”، “وجه يعرض خلوه من كل شيء علنا”، “أسنان كبيرة، وتوقع أنها وصيفة” (كافكا، اليوميات، 20 آب 1912، 268-269). ولكن أيضا، لتكون اختا وعاهرة. غير أنها ليست كذلك: وكانت مثل كافكا نفسه بيروقراطية مهمة وسينتهي الأمر لتكون مديرة شركة. مع ذلك سيكسب كافكا متعة سرية منها وسيكون ذلك نوعا من أنواع تعديل وموائمة الجهاز البيروقراطي أو الفقرات المتعلقة به.
5- انظر ماكس برود. “تصدير لرواية “القلعة”. واغينباخ، ضمير كافكا. 102-103.