اللوحة: الفنان الروسي جوستاف كلوتسيس
الفكرة هي وقود حركة الشعوب على مدار التاريخ، نادرًا ما كانت الفكرة الصحيحة هي العربة المنطلقة بالإنسان للأمام، بل كثيرًا ما كانت الفكرة الطائشة والضالة هي العربة التي تدهسه فيكون ضحيتها.
فالأفكار تحتاج حِرصا شديدا وامتحانات متوالية لتنضج ويُتأكد من صحتها، وأن يتزامن فيها عمليات الممارسة والنقد معا، وإلا تشوَّهت الفكرة وارْتَدَت ثياب التقديس المانع لأي مراجعة أو نقد.
أعجبني بروفيسور كبير في جامعة هارفرد، أثناء شرحه لفلسفة وشخصية (كارل ماركس) كأحد أهم الفلاسفة وعلماء الاجتماع.. قال:
الملاحظ أن كارل ماركس كان شديد المُرونة وهو يَبتكر نظريته، وظل إلى آخر حياته يُطَوِّر فيها ويَستجيب لأي معلومة تُضاف إليها أو تعدِّل منها، لكن أتباعه من الماركسيين كانوا يَعتبرون أنّ فلسفته المادية والجَدَلية التاريخية قد أنهت تفسير العالم.. ولم يبق سوى الاسترشاد بها لتغييره بأدوات ووسائل الثورة.
أنكر (كارل ماركس) على بعض مناصريه الفرنسيين المتطرفين وقال كلمته الشهيرة: “أنا أعرف شيئا واحدا فقط، أنني لست ماركسيا”.
من هذه القصة نلحظ أنَّ الأفكار في بدايتها، تكون منْ مُبدعها مَرِنة وعارية من القُدْسية، ويُضاف ويُطرح منها بترحيب من المؤسِّس للفكرة، ثم يتلقَّفها المؤيدون للفكرة…. فتتحول إلى دين صارم، فالناس يبحثون عن اليقين وليس الحقيقة، وبهذا يزيد عدد الكتب المقدسة كتابا، وأصبح كتاب “رأس المال” مقدَّسا عند الماركسيين.
بعد ذلك كلنا يعلم ما حدث في كوكب الأرض؛ حين جاء “لينين وستالين وماوتسي تونج”، أخذوا الكتاب المقدس لماركس وأذاقوا شُعوبهم الوَيْلات، واخترقت الشيوعية بلاد العالم زمنا قصيرا في عمر الدنيا، لكنه كان دمويا لأقصى درجة، فمحاولة تغيير فِطرة الإنسان لعبة خطرة، ثم فشلت الشيوعية تَطبيقا وخَفَّ ذِكرُها في الدنيا اليوم.
هناك ملاحظة أخرى تتعلق بتلك التجربة الماركسية؛ قال (كارل ماركس) قولته الشهيرة “الدين أفيون الشعوب”.
قالها عندما عانت الشعوب من التحالف المَتين والشرير بين القيصر والكنيسة ضد شعوبهم، الدين كان غطاء للفساد.. فرفض ماركس تماما نَموذج استخدام الدين في تعبيد الناس لمصالح طبقة حكام ورجال دين فاسدين.
دعونا نتخيل الوضع لو كان غير ذلك؛ أنْ تكون الكنيسة هي بيت الشعب، ترفض الفساد وتُناصر مطالب الشعب العادلة، في هذه الحالة سوف نجد تغييرا جذريا في أطروحات ماركس، كان سيجعل الدين عاملا قويا في تطبيق نظريته؛ ويصبح الدين أكسير الشعوب وليس أفيون الشعوب.
الأفكار البشرية من صنع الإنسان، والعقل آلة وهبنا الله إياها وهي أداة الاختبار، فمن عطلها أو أساء استخدامها أو منح نتاجها القداسة؛ فَسد وأفسد.

مقال في منتهى الأهمية
إعجابإعجاب