اللوحة: الفنان الأميركي توماس إيكنز
سليم الشيخلي

اللؤلؤة
جاء من البحر، اكتشفته مشاعل حلقة صيادين تنتظر الفجر لتنزل قواربها.. الماء يتساقط منه، الأشنات لافتات غجرية على جسده.
هلموا أيها الحفاة الجائعون.
حاصرتهم حيرة بطعم الصيف. من أين لهذا العاري ما يسد جوعهم. تجمعوا حوله باحثين عند نهايات الموج مائدة تخرج من بين يديه..
سأفطر به لو كان كاذباً.
التفت إليه بعيون تقدح غضباً أبيض.
اعترتهم فراغات تماثيل خشب أجوف.. لكن القمر ظل يرسل ضياءً يتراقص والقوارب المشدودة. فرك يديه فجاء دخان، فتحهما سقطت لؤلؤة عكست ضفائر نجمة. تقدم خطوات، استطال وسار نحو الليل باتجاه المدينة سراباً.
ابتسم القمر على شفاهها فتمددت حيرة داخلهم وبريقها يجمع فكرة واحدة. لو شاء أي شيطان لملمة طوفان نظراتهم نحوها لما استطاع أن يرتبها بهذه الفوضى. ألقوا بأجسادهم عليها فأصبحت تتنقل من كف لأخرى، الأكتاف تتدافع، الرؤوس تنزلق أي كوة تولد لحظتها، الغيظ يكبر، الأظافر تشق سواقي حمراء، الأسنان تبصق لحماً بشرياً. الجوع يتفرج دون حراك. ساعتان يقف الزمن داخل دائرة صغيرة يتحرك منها الكون واللؤلؤة تصغر من كف لأخرى لتغدو عند آخر كف متعبة حبة رمل. عند انبلاج الفجر جرجر الصيادون أقدامهم، أسرجوا قواربهم ونزلوا البحر.
وحرفين
لم يستطع الولد الذي يلثغ بحرفين من أن يشتري البيوت القائمة على فدانين ونيف وتحمل فوقها أكثر من مئة دار، محتضنة زمانها بالطين القشي وما يقارب من ألف من البشر لا يملك أغلبيتهم البطاقة التموينية. خوفا من غضب والده بطن تهديده ولما جوبه بمقاومة جائعة ابتكر طريقة حسده عليها الشيطان، اشترى ربعة صغيرة في الوسط وبوضع اليد الطويلة جدا واستولى على الزوايا الاربعة وبنى خمسة أعمدة ضخمة ليستقر فوقها مجمع تجاري. مقهى عصري بأرضية من زجاج تتيح للسامرين مشاهدة بشر لم ينقرضوا بعد.
معللاً بأن الارض للمالك والسماء لمن يزرعها فحصل على رضا الوالد لصرع عصري شيد في العصر الذهبي للقائد المنصور، لم ينس أن يلصق في أماكن متفرقة اسم الوالد على شاهدة.
ولما كانت نفايات الناس الذين فوق وجبات للذين تحت حدث تآلفاً صامتاً، وهكذا سارت الأمور وعربة النفط تمر يومياً.
تسرع السنوات الثلات ليتفتق ذهن الولد الذي يلثغ بحرفين بفكرة بناء عدة أدوار سكنية فوق المجمع، الغبي مهندس المشروع أبدى اعتراضه بحجة أن الأرض لا تتحمل وزناً أكبر، فأرسله إلى السماء مباشرة خوف أن يبوح بهذا السر، فحدث له ما أراد بسرعة أذهلت الجميع فتدافع المستأجرون بما ملكت أيمانهم من أثاث لملئها.
في التاسع من نيسان اهتزت الأرض بما حملت، تراخت مفاصلها، سمحت للأعمدة الغليظة أن تغور أحشائها قليلاً قليلا. هرب سكان البرج العالي لكن البشر الذين تحت لم يتحركوا فبدأت بالهبوط حتى الطابق الأخير بصورة القائد المضيئة وعلم الدولة لتختفي البيوت بساكنيها وفوانيسهم، قدور الطبخ والمراوح اليدوية، ضفائر الفتيات والأسرار الجافة، لم يبقى إلا ضحكة الولد حين عرف أن ابيه سيعوضه عن ذلك.