ستائر.. ومرآة

ستائر.. ومرآة

اللوحة: الفنان الأميركي فريدريك كارل فريسك

محمد محمود غدية

ستائر في بهو أنيق

هناك ستائر من الدانتيل الرقيق، الموشاة بخيوط الذهب، والألوان المبهجة التي تسر الناظر في بهو أنيق، ستر يحجب الكثير من الأسرار، ولغة المحبين البكماء، يحدث أحيانا أن يسكب القمر فضته الذائبة على ظلمة الحياة فيضيئها، حين يتسلل عبر الستائر دون استئذان، وكذلك تفعل الشمس جمال رائق شفيف.

هناك ستائر من القماش السميك، لا تتدلى من مواسير مذهبة أو فضية، علقت بمسامير صدأة فوق شباك متداع، تختلف الستائر باختلاف الأماكن، تشبهنا وتعرفنا، وتفرق بين أوجاعنا الغير متشابهة، لا تنبش الجرح لكنها أكثر توحش حين تبرز انفلات ثوب يبرز تقاطيع أجساد البنات متحررات الضفائر، غرائب الحياة والصدف والتوافقات لا يمكنك رؤيتها دون كاميرات أو نظارات معظمة، لكنها خلف الستائر شفيفة وواضحة، مما يجعلك ترتاب في منطق الأشياء.

هذه الفتاة التي تجلس خلف الستائر الموشاة برقائق الدانتيل، منتصبة الجذع كحرف الألف، ليست وحدها لكنها مزدحمة المشاعر، آسفه على الحب الذى ولى في أول مطب عاصف مع من أحبته، ورؤيتها له بصحبة امرأة أخرى، كيف للسماء التي تبلغ كل هذا الصفاء أن يعيش تحتها أناس يجرحون بعضهم البعض بكل هذه القسوة،

 سؤال ساذج؟.. جوابه: الغرقى لا يهتمون بالبلل، الستائر وحدها تتذكر لما جرى خلال الليل والنهار، يمكن للصباح أن يكون باردا وضبابيا ضبابا يؤدى إلى صفرة تحجب الستائر كلها الرقيقة والسميكة، والتي لا يمكنها كشف العواطف الصادقة والزائفة والطلاء الكاذب، والابتسامات المتملقة، ما اقسى أن يبطن المرء عكس ما يظهر!

وهناك خلف الستائر السميكة باهتة اللون، ضوء مصباح شحيح مشنوق في سقف حجرة قليلة الأثاث، شاردة في ليل العالم الواسع، تشبه ابتسامة مفاجئة في وجه إنسان متعب قلما تنفرج أساريره، الستائر في رقصها كما الطير المذبوح، تخفى أحلاما رمادية موشاة برقائق الدانتيل، تضرب وجه فتاة واسعة الحدقتين شاحبة الوجنتين، تنم عن انفراط الأسى والهم.

وتحطمت المرآة

 بعد ليل طويل مزقت ستائر غرفتها الرمادية، بستائر الوانها مبهجة وردية مودعة الليل المعتم، مرحبة بإشراقة الصباح بعد غياب، كان لا بد لها التطهر من كل المرارات التي تجرعتها وغاصت بداخلها وحولها، كيف أصبحت امرأة عاطلة عن الفرح والشباب، والذكريات وكل شيء، وهى التي ذهبت اليه بدافع حبها له، وهى أيضا من مدت له يدها ليضع فيها الأصفاد، كانت تنتشى بالعذاب وتمرر أكاذيبه، المرة تلو الأخرى انتظارا لمفاجئتها بصدق مشاعره وحبه لها، ولو مرة واحدة، نعيش دنيا لا تعطينا كل ما نريد، حتى لو أوهمتنا أنها طوع إرادتنا، الحب سيل جارف لا يمر بشيء إلا اكتسحه اكتساحا قاهر بطبعه.. ما أشقى أن تبكي بلا دموع، وما أصعب أن تذهب بلا أمل في رجوع، ما أقسى أن تشعر بالضيق ورحابة المكان من حولك تضيق بك، هي لا تستحق هجرك فقط تستحق حبك كما أحبتك.

كيف مرت تلك السنوات، دون أن تنتبه لخلو مشاعرك من الحب، والتي تجرعتها رشفة رشفة، صدقت كل أكاذيبك وكذبت مرآتها حين رأت صورتها أقل جمالا وأقل بهجة، حتى القصائد التي كتبتها من أجلها، رأتها اليوم في عيونك مطفئة، تراك وكأنها ترى صورة رجل لا تعرفه، لا تكرهه ولا تحبه، لا تدرى من رسم صورتك في وسادتها، عبثا تلملم ملامح وجهك في ذاكرتها، ما أقسى من يبطن عكس ما يظهر، لم تعد امرأة عاطلة وقد صنعت من آلامها قارب صغير أبحرت به وسط الأمواج والعواصف حتى شواطئ الأمان، وهناك اهتدت لنفسها الضائعة اغتسلت بالصباح الجميل الذى شاركها الشاي المنعنع بعد ليل معتم طويل، مزقت فيه ثوب الوجع، وكسرت مرآتها القديمة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.