الحب والطبيعة والوطن فى ديوان «ستون سنتيمترا» للشاعر عمر غراب

الحب والطبيعة والوطن فى ديوان «ستون سنتيمترا» للشاعر عمر غراب

د. عوض الغباري

عمر غراب مهندس شاعر له معماره الشعري المتفرد، وقاموسه اللغوي الخاص، وصوره الفنية التى تنهل من عوالم ثرية في تجربة الشاعر الإنسانية والإبداعية.

وعنوان هذا الديوان يشير إلى شخصية الشاعر “عمر غراب” مهندسا يتوازن شعره بين العاطفة والعقل فى مزيج فريد.

وعمر غراب راهب في محراب الشعر، يهبه كل قلبه ووجدانه، فلا يبخل عليه الشعر بقلائده ودرره التي تتوج شعره الرائع.

ومن دواوينه التى تتميز بفرادة العنوان: عطر النغم الأخضر، زمان الروعة الأولى، النفي إلى الليل، اعتقال المدى، صباح الفراشات، وقائع حزن مقدسي.

وهو عضو في كثير من المؤسسات الثقافية التي تشهد حضوره وألقه المستمر على مدي ما يقرب من نصف قرن من الإبداع المتجدد.

و”ستون سنتيمترا” من أحدث دواوينه، يلفتنا إليه عنوانه المتفرد، وهو عنوان القصيدة السابعة من ديوانه الذي يضم إحدى وخمسين قصيدة يقدمها بقوله:

إليكِ

وهل كنتِ إلا افتتان الصباح

ووصل السماء

ووعد الفرح(١)

ولعل الثقافة الهندسية لعمر غراب وراء عنوان الديوان الذي تحمله قصيدة “ستون سنتيمترا”، كما تحمل الأقانيم الشعرية الغزلية في سماوات شعر تتعدد أنغامه داخل النسق العروضي الواحد، يقول منها:

فيك انحسار النهر

عذّب وردتي

وضللتُ حول

مدائني وخيالي

ويدور الشاعر في فلك الحبيبة /النيل/ الوطن، كما يقول من هذه القصيدة:

النيل والأحلام

والوطن الذي

أسري مداراتي

بغير ملال(٢)

وصوت الحب هو الغالب على الديوان، يناجيه الشاعر المحلِّق في فضائه برقة وعذوبة تعد امتدادا للشعراء المصريين ممن أثروا الغزل بروح مصرية تستمد عذوبتها من نهر النيل وحضارته العظيمة.

و”من عذبت مياه شربهم، لطفت كلمات شفاههم”، وكما قال ابن سعيد الأندلسي:

أيا ساكني مصر غدا النيل جاركم

فأكسبكم تلك الحلاوة في الشعر

والعوالم الشعرية لعمر غراب ثرة تنثال عباراتها الرشيقة مع رصانتها اللغوية انثيالا يهيم في عالم حب مراوغ في مفارقته بين القرب والبعد، والحقيقة والخيال.

يمتلك الشاعر أدوات فنية ينطلق بها مطواعة في قصائد طويلة شاهدة بشاعريته، مثل قصيدة حلْم مندس” ؛ فاتحة ديوانه ومطلعها”:

وطن خطير شيِّق

يهفو إليه المشرق

يا مصر قلبك موجع

يهتز كيف يصدِّق(٣)

والغزل/ الوطن/ الطبيعة ثلاثية تخايل شعر عمر غراب، وتعانق روحه الهائمة في فلسفة فن يأتلق عذوبة مفارقة للمرارة، وحضورا يهيمن عليه الاغتراب وصراعا بين أوهام الظلام وانبلاج الفجر في إسار فني مهيب جليل جميل نبيل.

تتري الأحلام ضارعة في محراب حب لا يشفي الغليل، ولا يريم يلجئ الشاعر إلى صحراء تهفو للنسيم.

وتتداخل موسيقي الشعر، وتتعدد أنغامه وتتجاوب حاملة شحنات انفعالية صادقة التعبير عن رومانسية الحب الذي يميز هذا الديوان. وتحيط بالشاعر أسوار المنافي، ويحاصره الشوق، ويتلاعب به الهيام، وهوى الصبا، وانفجار الصمت، وترقب الصباح، يقول في قصيدة “حصار”:

تصب حروفها في عين قلبي

شواهد للحنين

إذا تلاها(٤)

ويتري النغم رشيقا في قصيدة “غزلية قديمة” كقول الشاعر في مطلعها:

فيك حياة

ترسم عمري

وهجا أخضر

حول النهر(٥)

ويحكي الشاعر في قصيدة “يوميات قلب متعب” بعض شجنه فيقول:

فأنت صديقة

الأمواج بوحا

قصائد شمسها

وهج وزاد(٦)

وتتجاوب الأسئلة حائرة للبحث عن جواب في الديوان، ففي مطلع قصيدة “حديث قديم” يقول الشاعر عمر غراب:

لماذا

أنتِ في قلبي

حواف الوقت

والدرب(٧)

وتندرج الطبيعة منثالة الشذي، ترسم البحر أغنية، في إطار هذا التطلع إلى الانسجام مع أسرار الكون، وألغاز الحب، وأسئلة الحياة في مثل قوله من هذه القصيدة:

أنا والنيل والدنيا

مسافات إلى

الحب(٨)

وتطرد في قصيدة “شهقة اللقاء” أقانيم الغزل في شعر عمر غراب يقول:

ذاهب أنت للطريق البعيدة

تدهش الكون كله والحياه

ملء عينيك روعة لا تبالي

صيف نهر شاهق كالجباه

إذ اللواذ بالطبيعة والوطن الأم سلوى للحزن والاغتراب. وقصيدة “وصول” طريق إلى روعة المستحيل:

اقتحام الخطي

وانتشاء المطر

علماني أنا

روعة المستحيل

وغاية لبراح الشوق وعلاج الجراح، والتحرر من سأم السراب:

والليالي غدت

ناشبات الأمل

للصباح الذي

يستحث الهديل(٩)

ويصوِّر الشاعر الغرام ظالما متوجسًا، والشتاء مُرًّا، يعدو لاجتياح المشانق، وارتشاف الفجر، وهو خيال رائع في قصيدة “ربما تأتي مساء”(١٠).

ويرتقي خيال الشاعر الى مراقي النور، يعدو به براح الحب، وهو حزين صامت وكله، مع ذلك، ثورة تجوب قلبه دروب العشق، كما صورته قصيدة “زيتونة من يافا”(١١).

ويتراءي “مجنون ليلي” إزاء قصيدة “فمتى سكن البحر” ومطلعها:

أعيد لها بالشعر ماسر قلبها

وأكتب وحدي صمتها واحتياليا

وهي قصيدة طويلة دالة على تمكن الشاعر من قوافي الشعر على حرفين، كما في قصيدة “مجنون ليلي”:

تذكرت ليلي والسنين الخواليا

وأيام لا نخشي على اللهو ناهيا

وينطلق “عمر غراب” في قصيدته مع يمام النهر ساردًا عطر الشوق:

جناحين أَرْخا للجنون مآليا

مع محبوبة هي “عنوان الصباح” و “غابة من البوح” ويخاطبها قائلا:

فإن أنتِ أطلقتِ الغيوم شددنني

وأوعزن للدنيا سماحك ثانيا

ويشهدها في مجالى الوجود محرابا للجمال والحب والموسيقي(١٢).

وقد احتوى الليل شاعرنا، فمحبوبته “مطر الحياة” ولكنها لا ترويه، بل تصطليه بالهجر، وتبدو المفارقة في قوله:

فالأغاني راقصات

مرهفات لحزين(١٣)

وهذه المفارقة هى ما تجدها في شعر عمر غراب يبهجنا رغم حزنه. وفي قصيدة ” ولها القراءات الأخر” دعوة إلى اللواذ بالقلب والأحلام، وإلى الشعر الذي يبكي الغرام ومرارات الحنين(١٤).

وتتراءي قوة الشعر ، وبلاغة أسلوبه في قصيدة: “سبابة القلب” التي تشهد – مع غيرها من قصائده – على شاعريته ومطلعها:

إني كتبتك

يوم الحزن أغنية

خضراء لا تنتهي

إلا بإيلامي

لو كنت أعرف

أن الشعر غايتها

سوَّلت بالحب

أمطاري وأيامي(١٥)

والقصيدة طويلة تمضي بهذه النصاعة الأسلوبية، والإشراق العاطفي مرتقية بالشعر إلى غاياته الجمالية. وفي قصيدة “براءات” يشتهي “عمر غراب” نهرا صبيا، ووردة فوق الثريا، ويستدعي ذكرياته وأحلامه السعيدة(١٦).

والحب في قصيدة “قوارب للانتظار” إبحار إلى الوطن، وحياة للشاعر وبهجته(١٧).

وتبدو قصيدة “زحام” في إهاب قصصي، ومطلعها:

صيفه حائر

والشتاء اختبأ

أنت فجر الندي

والربيع النبأ

وهي قصة حب متعطش إلى الارتواء، باحث عن شعاع أمل.

وحياة الشاعر في قصيدة “سفر الياقوت” رهينة لمرافئ الأشواق والأوطان(١٨).

وما أروع قول الشاعر “عمر غراب” في قصيدة “السماء تفتح ذراعيها لفراشة وحيدة”:

روعة الحزن وقلبي

يتماسان بدرب

أيها الناي تمهل

نبرة تذبح سربي

زهرة النيل تعالي

نرتقي شطآن غيب(١٩)

وتتبدى المسحة الصوفية الشفيفة في قصيدة “متاهة العارفين” ومطلعها:

لُذْ يا جميل القلب ملاح الظما

فالوصل بادر مَوْجَها وتبسَّما(٢٠)

وقصيدة “وعرش الورد مبذول إليك” وجه آخر من وجوه الإبداع في شعر عمر غراب، ومطلعها:

أحرِّر عطرها سفرا طويلا

وتأخذني مسافات ونيلا

لها في القلب أغنية ووردٌ

ترد غوايتي والمستحيلا

ليالٍ دفئها من بعض حزني

تصادر للفتي وطنا جميلا

وما أبرع شاعرا يصوغ قصيدته من مبتدأ وخبر في أغلبها كما هي قصيدة ” سيرة الشفق” فتحقق النغم والبلاغة وفيض المشاعر مع وجازة تركيبها، مثل:

غربتي هنا

حيث أنتمي

ثورة هي

تشتهي دمي(٢١)

وهذا توقيع شعري مدهش.

ويقول “عمر غراب” في مطلع قصيدة “فماذا لو أقبلت العصافير””

مفعم بالجمال

مرهف كالوتر

قلبها سدرة

بارتقاب المطر

فيتفرد في عنوان القصيدة، كسائر القصائد، ويستشرف آفاقا شعرية متنوعة تلامس الموشح في هذا المثال.

وفي قصيدة “قمر بري و وردتان” تماس آخر بروح الموشح، كما في مطلعها:

وقعها الذي

يسرج الأمل

حين مسنى

رق واكتمل(٢٢)

وعودًا على بدء تأتي القصيدة الأخيرة في الديوان، وهي ” بنفسجة لى واكتمال لها” مؤكدة لوجوه الإبداع في هذا الديوان، يقول “عمر غراب” في آخر صفحة منه:

ستصمت نصف أشعاري

فليلي حقل ألغام

أنا والريح نكتبها

جراحاتى وأوهامي(٢٣)

ولن تصمت أشعار عمر غراب الذي يصدح بأعذب الألحان، ويقدم تجربة شعرية لها فرادتها وسمتها الأصيل.


هوامش

١- عمر غراب، ستون سنتيمترا، ديوان شعر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2020، صـ5.

٢- الديوان، ص 24، 26.

٣- الديوان صـ 7.

٤- الديوان، صـ 14.

٥- الديوان، صـ 16.

٦- الديوان، صـ 37.

٧- الديوان، صـ 54.

٨- الديوان، صـ 55.

٩- الديوان، صـ 70.

١٠- الديوان، صـ 74.

١١- الديوان، من صـ 76 إلى صـ 78.

١٢- الديوان من صـ79 إلى صـ 81.

١٣- قصيدة “مراودة” من صـ 82 إلى صـ 84.

١٤- الديوان من صـ 85 إلى صـ 87.

١٥- الديوان، صـ 88.

١٦- الديوان من صـ 94 إلى صـ 96.

١٧- الديوان، صـ 98.

١٨- الديوان صـ 119.

١٩- الديوان، صـ 127.

٢٠- الديوان صـ 134.

٢١- الديوان صـ 146.

٢٢- الديوان صـ 171.

٢٣ – الديوان صـ 187.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.