اللوحة: الفنان الإيطالي جويرسينو
هناء غمراوي

ها قد مرّ حوالي ثلاثة أسابيع على عودتي إلى نيويورك، التي غادرتها إلى المملكة العربية السعودية، ثم الإمارات العربية المتحدة لقضاء وقت مع العائلة؛ ربيع العام الحالي؛ 2023 م.
سافرت بعدها إلى لبنان مطلع شهر أيار/ مايو وقضيت هناك أربعة أشهر مميزة من حياتي، وقعت خلالها كتابي الأول؛ «نيويورك في عيون زائرة عربية»، (هذا الكتاب الذي نشرت مواده قبل عامين في موقع «حانة الشعراء»، تحت عنوان “يوميات هناء في نيويورك” في سلسلة مقالات بلغت اثنتين وعشرين مقالة؛ وذلك بدعم وتشجيع من السيدة الأديبة (جولييت المصري).
تم توقيع الكتاب تزامناً مع فعاليات معرض الكتاب التاسع والأربعين، في الرابطة الثقافية. ثم قضيت بقية الصيف في بيتي في طرابلس سعيدة بصحبة صديقات، افتقدت صحبتهن بسبب السفر، ومستمتعةً بممارسة هوايتي المفضلة بالسباحة يوميا على شاطئ الأبيض المتوسط.
توقفت الحافلة الخاصة التي كانت تقلني صباحا في طريقي إلى مركز “هانيك” الذي أتابع فيه دراسة اللغة الإنكليزية. صعدت امرأة تبدو من ملامحها أنها تعدّت الخمسين منذ زمن، فور تلاقي نظراتنا ابتسمت لي وبدأت حديثا طويلاً لم أفهم منه كلمة واحدة، عندما لاحظت عدم تفاعلي معها توقفت عن الكلام، فسألتها على الفور:
– Are you speaking to me in GreeK؟
هل تتحدثين معي باللغة اليونانية؟
–Yes, I am. Aren’t you Greek؟
نعم، أولست يونانية؟
–No I’m not.
لا، لست يونانية.
–Where are you from؟
من أي بلد أنت؟
–I am from Lebanon.
أنا من لبنان.
أفسحت لها مكاناً بجانبي وتابعنا الحديث، سألتها إن كانت قادمة حديثاً من اليونان، فقالت بأنها ولدت في نيويورك، وأن والدتها قدمت إلى هذه المدينة وهي ما تزال صغيرة، ثم بررت لي سبب تحيتي ومباشرة الحديث معي باليونانية؛ بأن ملامحي قد أوحت لها بأنني قد أكون من أصول يونانية. لم تتوقف عن الحديث إلا عند وصولنا إلى المركز، وخلال الرحلة، التي استغرقت حوالي عشر دقائق؛ أخبرتني أنها نائبة الرئيس في المركز الذي كنا نقصده، وأخبرتها أني أحضر إلى هنا يومين في الأسبوع فقط لدراسة اللغة الإنكليزية.
توقفت الحافلة، دخلنا معاً، ولما هممت بالتوجه إلى الطابق السفلي، نادتني جيني قائلة: تعالي معي لأريك باقي الأقسام.. صعدت معها إلى الطابق الأول وبـدأت تمرّ على القاعات؛ قاعة اليوغا على أنواعها، قاعة المكتبة الضخمة، ثم أخيراً قاعة الرسم.
استوقفتني تلك القاعة، فقد كانت المرة الأولى في حياتي، التي أدخل فيها قاعة لتعليم فن الرسم، بدأت أنظر حولي؛ كان هناك عدة طاولات مغطاة بالنايلون الملون، عليها أقلام رصاص وبعض أدوات الرسم من ريش متعددة الأحجام وصحون بلاستيكية وأكواب لخلط الألوان، كانت تلك الطاولات محاطة بعدد كبير من الكراسي الفارغة، لأن الوقت كان مبكّرا وقبل وصول الطلاب، هواة الرسم. على الجدران انتشر عدد كبير من اللوحات الصغيرة؛ رسوم متنوعة لحيوانات وأسماك، مناظر طبيعية ووجوه متنوعة لعلّها بالتأكيد من إبداعات أيدي هؤلاء الطلبة الهواة الذين قد يصل عمر أحدهم السبعين أو حتى الثمانين من كلا الجنسين.
لم يكن لدي الوقت الكافي لمزيد من المشاهدة والتأمل خوفاً من وصولي متأخرة على صف اللغة الإنكليزية، الذي كان سيبدأ خلال دقائق.. أخذت وعداً من المعلمة بأنه يمكنني العودة إلى قاعة الرسم في دوام بعد الظهر، والذي يبدأ تمام الواحدة بعد استراحة الغداء، كما أكدت لي جيني؛ نائبة الرئيس بأنه مرحب بي في أي وقت يناسبني.
هبطت الدرج المؤدي إلى الطابق الأرضي، ثم السفلي حيث وجدت أن مجموعة كبيرة من الزملاء قد سبقوني إلى الصف. وقّعت على قائمة الحضور أخذت مقعدي، بينما خيالي راح يحلق نحو تجربة جديدة في حياتي ستبدأ في خلال ساعات. هناك في الطابق الأول حين سأمسك بيدي الريشة وأغمسها بالألوان.