اللوحة: بورتريه للشاعر محمد الماغوط بريشة الفنان السوري ثائر هلال
فواز خيّو

محاكمة مواطن عربي:
القاضي : هل كنتَ بتاريخ كذا تنادي في الساحات العامة والشوارع، بأن الوطن يساوي حذاء؟
المتهم : نعم سيدي.
القاضي : وأمام تماثيل الأبطال وفي مقابر الشهداء؟
المتهم : نعم سيدي.
القاضي : وأمام مراكز التطوع، والمحاربين القدماء؟
المتهم : نعم سيدي.
القاضي : وأمام أفواج السياح، ووكالات الأنباء؟
المتهم : نعم سيدي.
القاضي : الوطن حلم الطفولة، وذكريات الشيخوخة، وهاجس الشباب، ومقبرة الغزاة والطامعين، والمفتدى بكل غال ونفيس، ألا يساوي حذاء؟
المتهم : لقد كنت حافيا يا سيدي..!
***
هذا هو الماغوط، الذي جسّد وعرّى الماضي والحاضر والمستقبل، عرّانا نحن، فوق عُرينا، لم يخش انكشاف العورات. (أجل، لقد هزمتني أيها العصر, لكن لا أجد في كل هذا الشرق، مكانا مرتفعا، أغرس فيه راية استسلامي) حين قال الماغوط هذا الكلام؛ كان الشرق أفضل بكثير من الآن.
إذا كانت القمم قد أصبحت مستنقعات؛ فما بالنا بالسفوح والسهول؟ كم هي نعمة أن يرحل هؤلاء قبل الآن.
صدر ديواني الأول /سفر في الجنون/ عام 1989 وهو مهدى الى الماغوط.
جاء في الاهداء: «إلى محمد الماغوط الذي يكتب بصمت، ويعيش بصمت» صمتك يعلو على كل الضجيج.
لم أكن مستعجلا لقاءه، ولم أعتقد أني سأصبح صديقه ومن مقرّبيه الذين يحبهم ويفتقدهم.
أولا: لأن ما يعنيني منه هو نصوصه وليس شخصه.
ثانيا: لأن الماغوط، قلما يرتاح لأحد، أو يصادق أحدا ولا يأمن لأحد. فهو كطائر مذعور، كل من يراه، يعتقده صيادا أو مُخبرا.
كان مقهى أبو شفيق في الربوة، هذا المقهى القديم المرتفع بعدة درجات، هو الوطن البديل للماغوط، ولدتْ فيه كل مسرحياته ومسلسلاته، التي قدمها دريد لحام، وولدتْ فيه معظم قصائده، بدون قابلة قانونية.
في بادرة حضارية من رجل الأعمال عثمان العائدي، صاحب فندق الشام، منح الماغوط طاولة دائمة خاصة له ولزواره مدفوعة الأجر والضيافة، في المقهى الأرضي المطل على الشارع، بواجهته البلورية العريضة.
بعد شهرين من صدور ديواني، زرت الماغوط في ذلك المقهى، سلمتُ عليه،عرّفته بنفسي. وبعد الاطمئنان عليه، قدمت له نسخة الديوان.
قرأ الاهداء، وتصفح في الديوان. قرأ: حكمة الكون أن تفرح الأرض حين تبكي السماء، فهل حكمة الحب أن تفرحي حين أبكي أنا؟
ثم وقعت عيناه على المقطع الذي أقول فيه : هاربا مني أتيت، هاربا مني سأمضي.. زم شفتيه بودّ. ربما أدرك أني لست عابر سبيل أو عابر شعر، بل عابر جحيم.. نادى على الجرسون، وسألني: ما هي قهوتك؟ قلت مبتسما : قهوتي شاي. فابتسم وطلب لي الشاي.. بالتأكيد لو لم يعجبه شعري، لخرجتُ بدون شاي، ولكان لقائي الأول به هو الأخير.. سألني عن وضعي في الجريدة، فأخبرته أني انتقلت لتوي من المطابع الى التحرير، وصار باستطاعتي نشر قصائدي، حرصت على اقتضاب هذا اللقاء، توالت اللقاءات بعده، وصرت أكتب في زاويتي/ أبجد هوز/ التي سرعان ما لاقت انتشارا واسعا.
مرة زرت الفنان دريد لحام في الصباح بناء على دعوته لأناقش معه مقترح عمل، تناولت الجريدة لأطمئن على زاويتي من أخطاء مطبعية، وإذ الزاوية مقصوصة. سألته: أين زاويتي يا أستاذ؟
قال: زاويتك أقصّها وأحتفظ بها.
صار الماغوط يقرأ زاويتي بمحبّة، وحين أتوقف، يفتقدها، شيء رائع أن يقرأك الماغوط، كان هذا مبعث أمان، والماغوط لا يجامل ولا يحب أيّا كان.. الطبيعة المرحة تزيل الكثير من الحواجز والتشكك، حين كنتُ أروي له بعض النكات، وخاصة البذيئة، كانت كتفاه العريضتان ترتقصان من الضحك.. أن تستطيع إضحاك الماغوط وهو الذي أضحك وأبكى الكثيرين؛ فهذا شيء كبير.
حين زرته أول مرة في البيت، رحب بي بشدة، ونادى على شام وسلافة، فدخلتا وسلمتا علي، قال لهما: هذا فواز.. شام صارت طبيبة، تعيش في أمريكا مع زوجها، وسلافة فنانة تشكيلية تعيش مع غربتها في لندن.
ذات مرة، علمتُ أنه مريض؛ فقررت أنا وزوجتي هيلانة أن نزوره.. ماذا يمكن أن تأخذ هدية للماغوط؟ هو لا يحب أي شيء تقليدي.. تجولنا في سوق الحميدية مرتين ولم نجد ما يناسب، فجأة وقع نظري على نسر كبير محنط، فصرختُ: وجدتها! واشتريته بالمبلغ الذي طلبه صاحبه.. فرح كثيرا حين دخلنا عليه، قلت له: النسر يحتاج إلى نسر، كي يؤنسه.. كان أكثر من صديق. كان أبا.. حين خرجنا، سألتني زوجتي: ماذا وجد فيك الماغوط كي يحبك هكذا؟ قلت لها: مثلما وجدّتِ أنت بي قبل أن تكتشفيني , فانفجرنا بالضحك.
***
سنية الصالح زوجة الماغوط ورفيقته، التي خطفها السرطان، والحزن والقهر، تركتْ الماغوط يواجه مصيره المحتوم وحيدا.. سنية هي شقيقة الناقدة خالدة سعيد زوجة أدونيس، وشقيقية الفنانة مها الصالح.
حين تقرأ نصّا، من الصعب أن تميزه، إذا كان لسنية، أو للماغوط، نفس زمرة الوجع والغربة والقهر. كانا روحا في جسدين، قال عنها الماغوط: لقد أذيتها كثيرا باسمي، وطغيت عليها. كانت شاعرة كبيرة في وطن صغير.
ها هو الليل يعود
الليل المر، ينتظر مواطنيه الفارين
ليل الاختناق
الليل زمني الخاص
وزمنك المطر والرعد والعواصف
فكيف أسير في الأزمنة الغريبة،
وقد أدمنت روحي طعم الظلام؟
أي موج سيهدر حين أخبرك قصص الجبال المتورمة،
والكلاب المسعورة؟
إنهم جميعا الطرف الرابح..
وأنا الخاسرة الأبدية.
(سنية صالح)
***
في مطلع الستينيات، كان الماغوط هاربا الى لبنان، من ملاحقة المكتب الثاني، وكان يوسف الخال قد أطلق مجلة / شعر / لتدشن عصر الحداثة الشعرية، على يد فرسان مهمين: السياب، خليل حاوي وفؤاد رفقة وأنسي الحاج وأدونيس وغيرهم.. متأثرين بالحداثة الأوروبية، والتي انطلقت برأيي على يد الشاعر الأمريكي وولت ويتمان، في ديوانه / أوراق العشب / والذي طُبع مبكرا في السويد، ولاقى نجاحا مبهرا , وهو قبل سنين من الأرض اليباب لإليوت, هو رائد الحداثة بحق, وليزعل مني ت س إليوت.
في لقاء مجلة / شعر / وسط الستينيات من القرن الماضي, جلس أدونيس وبجانبه شاب يبدو عليه التشرد، قرأ أدونيس بعض القصائد، وقال لهم: لمن تعتقدون هذا الشعر؟ ووسط إعجابهم، بدأوا بتوقعون، رامبو، بودلير، مالارميه، إيلوار؟
أشار أدونيس إلى هذا الشاب الناحل الحزين, فانهش الحضور.
بدأ الماغوط ينشر في / شعر / وتعرّف إلى السياب، وجمعتهم صداقة حميمية. ورثاه بقصيدة تقطر حزنا. الماغوط لم يكتب قصيدة التفعيلة، فهو لا يعترف بأي قانون. كتب قصيدة النثر.
مرة وفي حوار مع مجلة لبنانية، سألني المحاور: ما رأيك بقصيدة النثر؟ قلت له: ليس هناك قصيدة نثر، القصيدة جزء أساسي فيها هو الموسيقا، أراد أن يحشرني في الزاوية، قال: ومحمد الماغوط؟ قلت له: الماغوط شاعر فرنسي كبير، ولد وعاش في سوريا، وكل الذين قلّدوه فشلوا. الماغوط استثناء. ولم تأخذ قصيدة النثر شرعيتها، ولم تبن قاعدتها الشعبية إلا على يديه. ثم كتبت أنا قصيدة النثر (كم أنت انت).
***
ذات مساء؛ زرت الماغوط، ولم أدر أنني لن أراه بعدها! وجدت عنده الصديق سميح شقير والفنان جهاد سعد. كانت سهرة جميلة. تحدثنا في الشعر والسينما والمسرح وغيره. كان متعبا، وجسمه قد تضخم، لكنه كان مسرورا بوجودنا، ودّعناه وانصرفنا. كنتُ أدري أنه لن يعيش كثيرا، لكن لم أدر أني لن أراه بعد الآن. وأنه سوف يركلنا ويمضي.
***
كان في قريتي حزبان، واحد مكتبه قريب الى بيتي، وفيه مدفأة، والثاني مكتبه بعيد عن بيتي، ولا يوجد فيه مدفأة، فدخلت الأول..! هكذا يرى الماغوط الحياة السياسية، وأهمية الأحزاب وفعاليتها.
في السنوات الأخيرة، عانى وضعا معاشيا صعبا، كان قد مضى وقت طويل، ولم يكتب عملا يدرّ عليه مالا، حتى مسلسلاته ومسرحياته؛ قال لي مرة: أعطاني دريد لحام من الجمل أذنه، بينما من عمل معه يرفل بالثراء.
***
قبل وفاته بسنتين عام 2005، منحته مؤسسة العويس، جائزتها السنوية، مئة ألف دولار.. لا يا أبا شام.. تشكو الفقر، وهكذا مبلغ سيضمن لك كفنا وثيرا، وتابوتا فخما، وجنازة مهيبة.. ماذا سيفعل الكاتب بهكذا مبلغ، وهو يلوّح بقلبه وسعاله كمنديل وداع؟ كان يحلم بجزء يسير منه، أيام العافية! قبل سنوات قال في إحدى زواياه، أتذكر معناها:
أخذو مني الناي والقلم و المحبرة.
وأعادوهم إليّ وأنا في الطريق الى المقبرة.
***
كانت الراقصة المشهورة فيفي عبدو ذات مساء، تسير في سيارتها الفخمة بمحاذاة النيل، لمحت نجيب محفوظ يسير يائسا, حانيا ظهره بلباسه المتواضع, وقفتْ بجانبه وقالت له: (شايف يا أستاذ شو سوَى فيك الأدب، وشو سوّتْ فيّ قلة الأدب)؟
أنا بعد هذا العمر، أشتغل أحيانا معلم كهربا، بالمطرقة والإزميل. لأنني قررت منذ البدء، أن لا أكون مرتشيا أو لصا، لا ليحترمني الآخرون، بل لأحترم نفسي. بينما اللصوص، وخاصة محدثي النعمة، الذين لم يكن لدينا وقت لنبصق عليهم، صاروا وجهاء، وليس لديهم وقت ليحصوا ملايينهم، وهم الذين يحكون بالوطن، ويعطونك المواعظ، ويعلمونك الوطنية، وبعضهم بالكاد يكتب اسمه بشكل صحيح.
كنا دائما نريد وطنا نعيشه، لا وطنا للحلم، وطنا يوزّع فرحه وحزنه بالتساوي.
ظروف متشابكة شغلتني عن الماغوط في الفترة الأخيرة، وذهابي الى دمشق صار قليلا.
أكثر من مرة، قال لي الزميل والكاتب حسين عبد الكريم: سألني أبو شام مرارا: (ليش فواز ما عاد مر)؟ قلت له: والله سأمر عليه في أول مشوار الى دمشق. فجأة أدار الماغوط مؤخرته لهذا الشرق، الذي لم يعرف الشروق منذ دهور.
لم أستطع الذهاب لأراه مسجى، ولا أحتمل أن أرى انطفاءة عينيه وسخطه.
اتكأت على طيفه، وبكيت.. سقط الكأس من يده.. كاسك يا وطن.. كاسك يا وطن الغربة والتشرد.. والصقيع. ترك الشام والسلمية اللتين أحبهما وبكاهما وكتبهما كثيرا كثيرا.