هيام علي الجاويش
اللوحة: الفنان الأمريكي ستيفي تايلور
صديقي:
دخل إلى مكتبها تسبقه عصاه, فقامت من فورها تستقبل هذا الرجل الحكيم وكم كانت دهشتها كبيرة فهو عادة لا يخرج.. وربّما خرج من أجلها، وزادت دهشتها عندما رأت الشرر يتطاير من عينيه وكان يتلفظ بكلمات لم تسمعها منه من قبل ولا من حكيم غيره, ومؤكد إنه لم ينم ليلة البارحة, فهي وضعته مع تحدٍ ورهانٍ خاسرين، لكن بتوسلها وإصرارها خضع هذا الحكيم لمشيئتها.. ما الذي حدث؟ الذي حدث أنها قالت لزوجها: إن الحكيم يريدك في أمر ما، فأرجو أن تلبيه إن استطعت, أو أن يكون لديك ما يكفي من الأعذار، فقام لفوره دونما إبطاء أو انتظار، فمن الآن سيكون له حتى على الحكيم قرار، لكنها استمهلته لتنظر إن كان هذا الأخير بالدار. أعجبته الفكرة رغم أنه يعرف أن الحكيم قليل الأسفار, ومن جميل صنع الأقدار تعثّر في ذلك اليوم, المشوار.
استيقظت في الصباح، وذهبت إلى الحكيم قبل زوجها وقبل الإفطار, ترجوه أن يقدم لزوجها النصح, وأن يقبل منها الاعتذار بعد أن حدّثته عن يوم البارحة وعما قالته، وها هو الحكيم دخل عندها بادي الاستنكار، فاستقبلته ممتنة له دون أن تجرؤ على الاستفسار، لكن الذي فهمته أن الحكيم هُزم وكان نصيب زوجها الانتصار!
باختصار.. حدّثه الحكيم عن دار الدنيا وعن دار القرار قائلاً: دار الدنيا كقطعة الشطرنج والدار الآخرة تتوقف على عمل الدار الأولى، فأستوضحه الزوج بالسؤال: من يكون الملك ومن هو الوزير ومن هم الجنود ومن..؟ ابتسم الحكيم وقال: الملك هو كل شخص بنفسه والوزير والجنود هم أهل الدار, وعدا ذلك الكل زوار، ويستطيع أن يحقق ما يريده بالعزم والإصرار، والعاقل يعرف بمن يضحي من أجل الحفاظ على مملكته فهو صاحب القرار, والفاشل هو الذي لا يعرف من هم أصحاب مملكته ومن هم الزوار.. وهذا أمر لا يعرفه إلاّ القلة والأبرار.. فنظر إليه الزوج وانتعش, وأحس بنفسه ملكاً حقاً، وسأل: كيف يمكن لأحدنا أن يكون ملكا في الحياة على الجميع لا في نفسه وفي بيته فقط؟ فلوح الحكيم بعصاه، فخرج هذا البطل شاتماً وراعداً، وهذا ما جعل الحكيم في هذا اليوم يخرج من الدار!