اللوحة: الفنان الفرنسي بيير فرانسوا تارديو
نهلاء توفيق

في الفانتازيا الواقعية
اشتقتُ لحكايات جدتي، فركتُ المصباح وطلبت من المارد إحضارها؛ فحضرت، بعد احتضانها والقبلات وهي تتثاءب، طلبت منها أن تروي لي حكايةً من حكاياتها التي كنتُ أعشقها. أخبرتني أن هذا غير ممكن أبداً وشبه مستحيل، فالسعلاة انتحرت بعد زيارتها لسورية، وسندريلا أصابها مسٌ من الجنون بعد دخولها مصر، أما ليلى فقد قتلت جدتها بعد أن وصلت اليمن ودخلت السجن، وعلي بابا صُعق بعد أن رأى البرلمانيين العراقيين وأدخل الخنجر بطنه.
هل ستنتهي الحكايات يا جدتي إذن؟
أخبرتني جدتي رحمها الله والمارد يُرجعها عنوةً إلى المصباح؛ إنني سأكون جدةً لزمان يروي أعاجيب هذا الزمن بواقعٍ يفوق خيالاتها.. صدقت جدتي البريئة الطيبة.
أنا لا أُستهلكْ
سأُخرجُ كلّ صوري القديمة، الطفوليةَ منها والشبابية، سأبحثُ عن أشعاري وقصصي، وحروف العشق التي خبأتُها، ستراها، سأرمي في وجهك أثوابي المزركشة والحلي، سأنثرُ عطوراً تشُمّها فتسكركْ، سترى ملامحي البريئة العذراء الخالية من الألوان، ستقرؤني أبيض وأسود؛ فتنتعش، سيصحو يوم عرسنا وستُقرع الطبول وتسمع المزامير وستصُمّ أذنيك من صوت زغاريد أمك.
ستأكلُ من أول صحنٍ لي، تلتهمه بشراهة، ولا تشبع، وسأزفُ لك كل بنات أفكاري في ليلة، ويكنّ هن حور عينٍ تختلي بهنّ، ثم تهرعُ إليّ متوسلاً، ستراني ملكتهن؛ لا، بل أنا ملكتك.
سأقفزُ أمامك، وترى رشاقتي وسألعب الحبل ولن أتعب، وسأجبرك على جر الحبل؛ فأوقعك. لا تقل لي هذا ماضٍ، قد أكلتَهُ أكلاً وأفرغتَ سمّك فيه، وجئت تبحث عن صباي والطفلة، لم تمت طفلتك، هي لازالت تسكنك، عنفواني، غجريتي، سيقتلان كلّ شريكةٍ طفلةٍ فيك؛ فلا تفكّر!
كنت أرسم الحلم
ملّكوني ورقة رسمٍ كبيرة، صفّدوني، ولكنهم أطلقوا العنان لأصابعي؛ فرَسَمَتْ
بيوتاً فخمة، أشجاراً يانعةً وأزهاراً برائحةٍ تعبُق، سلالاً وتفاحاً أحمرَ وأصفر
ربيعاً وصيفاً وشتاء، قلوباً خضراء وأخرى بيضاء، تهتُ في رحابِ الورقة وحتى أني رسمتُ أغنيةً وأناشيد ومهرجانات.. الزغاريد وألوان ثياب الأطفال في العيد
ومصافحة الأصدقاء وقبلات العاشقين والمحبين، كلها وقعتْ على الورقة؛ فلم تزدحم، مازالت هناك فراغات كثيرة تسع المزيد، تدنوا مني ومنها، عجبوا: هذه ليست الحقيقة!
نسيتُ كيف شكل البندقية، الانفجار، النار والشرار، التراب ودخان البيوت المهدمة، زي العسكر، الضجيج، النواح، العويل والبكاء، لم أعرف كيف تُرسم ولا كيف يخطها قلمي!
هجر الأحبة والدموع، هجر الوطن وحقائب السفر، بكاء الأرامل واليتامى، النخيل المحروقة رؤوسه، رغيف الخبز اليابس، وأحذية الأطفال المدماة، نسيتْ أصابع يدي كيف تخطها، قضوا عليّ بالإعدام بتهمة تزوير الحقيقة، وأنا من كنتُ أرسم الحلم