صلات الوصل (2-2)/ جيل دولوز وفيليكس غوتاري

صلات الوصل (2-2)/ جيل دولوز وفيليكس غوتاري

ترجمة صالح الرزوق

الجزء الثاني من ترجمة الفصل السابع من كتاب “نحو أدب أقليات” لجيل دولوز وفيليكس غوتاري، طبعة جامعة مينيسوتا، ترجمه إلى الإنكليزية دانا بولان Dana Polan

للنساء عدة وظائف. تحدد النساء بداية سلسلة أو افتتاحية فقرة تنتمين لها، كما أنهن تحددن نهايتها، سواء هجرهن كاف أو أنهن من هجرنه، ما دام قد انصرف إلى مكان آخر دون أن يعرفنه. ولذلك تعملن كإشارة يقترب منها المرء ويبتعد عنها. ولكن فوق كل ذلك تكثف كل منهن سلسلتها، أو فقرتها في قلعة أو محكمة، وتضفين عليها لمحة إيروتيكية. ثم تبدأ الفقرة التالية أو تنتهي، ولكنها تترسب فقط، من خلال نشاط امرأة شابة أخرى. ومع ذلك يفعلن سلطات فقدان الأرض ضمن أرض لا يتابعنك وراءها. وعلينا هنا أن حذر من تفسيرين خاطئين بهذا الخصوص: الأول، وفقا لماكس برود لا تزيد الصفات الإيروتيكية عن إشارة سطحية عن إيمان إشكالي، مثل أضحية إبراهام. الآخر نوه له فاغينباخ وتعرف له على الشخصية الإيروتيكية الحقيقية، ولكن ليرى فيها عاملا يؤخر كاف أو يبعده من أهدافه (5). لو هناك أي موقف يشبه موقف إبراهام، ليكن بأقصى تصور موقف العم الأمريكي والذي يطرح موضوع تضحية كاف بشكل حاد. وبلا شك يصبح هذا الموقف أوضح في “القصر”، حين تطرح فريدا نفس موضوع الأضحية من خلال مكاشفة كاف بعدم “وفائه”. ولكن عدم الوفاء هذا يأتي من حقيقة أن كاف قد انتقل إلى فقرة أخرى، تحددها أولغا، ويتسبب بها وصول فريدا التي تسبب نهاية فقرتها ذاتها. وعليه لا تنشط النساء لتنحية أو تأجيل الأحداث في “المحاكمة” أو في “القصر”: إنهن يقدمن فقدان أرض كاف بواسطة خلق أراض، وكل منهن تحددنها بطريقتها، وتسرعن بالتصرف (“رائحة مثل البهار” تميز ليني، رائحة بيت أولغا، بقايا الحيونة). 

ولكن شيزو زنى المحارم غير كامل دون عنصر متمم – نوع من التسريب الجنس مثلي. ومجددا بالضد من الجنسية المثلية الأوديبية، هذا يعتبر جنسية مثلية للقرين، بين أخوة أو بيروقراطيين. والعلامة على هذه الجنسية المثلية تظهر في الثياب الضيقة التي يغرم بها كافكا: آرثر وجيريمي، القرين في “القصر” واللذان يؤطران قصة حب كاف وفريدا، ويتقدمان بسرعة “بثياب ضيقة المقاس”. الخدم التابعون لا يمتلكون بذات ولكن “ثيابا ضيقة جدا لا يمكن لفلاح أو عامل أن يستفيد منها”. ورغبة بارناباس تتخللها رغبة شديدة بالثياب الضيقة، لكن أخته أولغا ستجهز له بعضا منها. والشرطيان في مستهل “القضية” اللذان يلاحظان صورة فراولين بورستنير، يرتديان “ثيابا سوداء ضيقة مطرزة بكل أشكال الثنيات، والجيوب، والأحزمة، والأزراى، وكذلك بزنار، مثل ثياب سائح، وعليه تبدو عملية جدا، ولا يمكن لأحد أن يؤكد ما هي الغاية الفعلية منها”. وهذان الشرطيان سيتعرضان للجلد بيد جلاد “يرتدي ثوبا جلديا أسود كسف عن حلقه وجزءا كبيرا من صدره وكل ذراعه”. هذه هي ثياب الأمريكيين السادو مازوشيين المتأنقين بالجلد والمطاط، بثنيات وأحزمة ومطرزات وهكذا. ولكن يبدو أن القرين البيروقراطي أو الأخوي نفسه له وظيفة تدل على الجنسية المثلية فقط. وللتسريب الجنس مثلي نهاية أخرى يشار إليها بهذه الدلائل (الصفات). 

في “ذكريات خط حديد كالدا” للراوي علاقة جنسية مثلية معلنة مع المفتش (“تعانقنا عناقا غالبا ما يستمر دون مقاطعة لعشر ساعات”). ولكن تجد هذه العلاقة نهايتها الحقيقية فقط حينما يتم استبدال المفتش بالفنان. بعض الفقرات في “القضية” والتي تناولت تيتوريللي حذفها كافكا بسبب فضائحيتها: “بقي كاف راكعا على ركبتيه أمامه… وهو يحضن خديه”، وجر تيتوريللي كاف نحوه مثل “قارب خفيف الوزن فوق الأمواج”، ليبدأ معه أسرار العلاقة. ويبدل الضوء اتجاهه ويسقط على وجهه مباشرة “مثل الغشاوة التي تعمي”(6). 

بالمثل في “حلم” انفصل الفنان من جنازة القرين البيروقراطي التي خرجت من الغابة، “ورسم أشكالا في الهواء” ودخل مع كاف في علاقة اندماج قوية. وعليه يتصرف الفنان، أيضا، كعنصر مدهش. وتتصل العلاقة المثلية مع الفنان بعلاقة زنا المحارم مع المرأة الشابة أو الأخوات الصغيرات (ثم سلسلة البنات المتلصصات الشاءات اللواتي ترين أو تسمعن كل شيء يدور في مكان تيتوريللي واللواتي تبدأن بالصراخ حالما يخلع كاف صدارته. “لقد تخلى عن سترته للتو”. ولكن ليست هذا هو نوع العلاقة نفسها. وعلينا الفصل بين ثلاث عناصر: (1) السلسلة العادية، حيث كل سلسلة تقابل جزءا محددا من الآلة، وحيث تكون الشروط من ثنع القرين البيروقراطي المتكاثر بكل العلامات التي تشير لمثليته الجنسية (على سبيل المثال سلسلة الحراس، سلسلة الخدم، سلسلة الموظفين. لاحظ تكاثر قرين كلام بنسخه المتعددة في “القصر”). 

(2) السلسلة العجيبة للنساء الشابات، حيث كل منهن تقابل نقطة خارج السلسلة العادية، سواء في مطلع الفقرة، لكن في آخر نقطة منها، أو في نقطة انقطاع داخلية، ولكن دائما تتداخل مع تجاذبات متزايدة وارتباطات، وتشكل ممرا لغويا يتكاثف في فقرة أخرى (وهذه هي وظيفة إضفاء طابع الإيروتيكية أو الشيزو زنى محارم). 

(3) السلسة المفردة للفنان، المثلي الجنسي علنا، ذات السلطة المستمرة والتي تتدفق وتفيض على كل الفقرات وتجتاح كل الترابطات. وإذا كانت النساء الشابات تضمن أو “تساعدن” فقد أرض كاف بدفعه للهرب من فقرة إلى فقرة، إن أقرب ضوء يأتي من خلفه منبعثا من شمعة أو شمعدان، يضمن الفنان بالمقابل خط هروب انتقالي ومستمر، وفيه يأتي الضوء من أمام مثل غلالة. وحينما يتوجب رؤية النساء الشابات في نقاط اتصال أساسية تربط أجزاء الآلة، يعيد الفنان توحيد كل هذه النقاط، ويرتلها في آلته الخاصة التي تستطيل عبر كل حقل المحتم وتتوقعه. وتبدو نقاط الاتصال بين السلاسل او الفقرات، بما فيها النقاط الفائقة والنقاط المفردة، من عدة زوايا، كأنها انطباعات إستاطيقية. وهي غالبا ذات خواص وروائح وأضواء وأصوات واتصالات ملائمة، أو أشكال خيال حرة، أو عناصر من حلم أو كابوس. وهي مرتبطة بالصدفة. على سبيل المثال في نص “البديل”، تتدخل ثلاث نقاط اتصال: بورتريه الملك، مجتزأ صغير من فقرة يفترض أن الفوضوي نطق بها (“هييي، أنت هناك، يا متشرد)، والأغنية الشائعة (“حينما كان القنديل الصغير يحترق”). وهي تتدخل لتحدد الأزواج الجديدة، وتسبب تكاثر السلاسل، ويلاحظ البديل أنها قادرة على الدخول في عدد غير محدود من الأصوات المتعددة، لتشكيل فقرات هي قرب بعضها البعض تقريبا، وبعيدة تقريبا (7). ولكنه خطأ كبير أن تنظر إلى نقاط الاتصال كأنها انطباعات إستاطيقية تتبعها ضمنا. وكل ما قدمه كافكا يقود بالضبط للنهاية المعاكسة، وهذا هو المبدأ الموجود وراء ظاهرة مضادة للكلام، مضادة للاستاطيقا : “افهم العالم”، عوضا عن أن تتبع انطباعات تعود له، اعمل مع الأشياء، والشخصيات، والأحداث، في الواقع، وليس في الانطباعات. اقتل الاستعارة. وتستمر الأحاسيس والانطباعات الاستاطيقية، أو التصورات، بالوجود لنفسها في أوائل مقالات كافكا، حيث تعمل تأثيرات محددة من مدرسة براغ. ولكن كل تطور كافكا سيتكون من التخلي عنها لصالح الوعي المتماسك، الواقعية الشاملة، تأليل لا يستطيع بعد الآن الاستفادة منها. ولهذا السبب تتبدل الانطباعات الذاتية بشكل نظامي، وتحل محلها نقاط اتصال تعمل موضوعيا كأنها عدة إشارات مجزأة، كأنها عدة نقاط خاصة أو منفردة مؤلفة من سلاسل. وأن نتكلم عن إسقاطات فانتازية سنصل بالنتيجة إلى تكوين خطأ. هذه النقاط تتوافق مع الشخصيات المؤنثة أو الشخصيات الفنانة، ولكن كل هذه الشخصيات تنوجد فقط كأنها أجزاء مقررة موضوعيا ومسننات في آلة العدالة. ويعلم البديل جيدا أن العناصر الثلاثة تجد ترابطاتها وتلاحظ غموض هذه الاتصالات، وتضاعف ترابطاتها، في سيرورة يتورط بإدراكها عكسيا. فهو الفنان الحقيقي. هو سيرورة، أو كما يقول كلايست، خطة حياة، نظام، طريقة، ليست فانتازيا ووهما. وتيتوريللي نفسه، بفردية وضعه، لا يزال جزءا من حقل العدالة (8). الفنان لا يشبه ملحدا، والفنان آلة، آلة للتعبير، ولا علاقة له بالانطباعات الفنية. علاوة على ذلك طالما يمكن أن تجد مثل هذه الانطباعات قادرة على العمل باتصالات أنثوية أو فنية، يكون الفنان ذاته حلما. ويجب تعريف صيغة آلة الفنان أو آلة التعبير بطريقة مختلفة تماما، ليس بشكل مستقل عن أي نية إستاطيقية، ولكن أيضا فيما وراء حدود الشخوص الأنثوية وتمثيلات شخوص الفنان كلما تدخلوا موضوعيا في السلسلة أو ضمن حدود السلسلة. وفي الحقيقة هذه الترابطات، بما تتضمنه من إيحاءات بالرغبة، وزنى المحارم، أو المثلية الجنسية، تتلقى طبيعتها الموضوعية من آلة التعبير، وليس العكس: هذه محتويات تجرها آلة التعبير، وليس العكس. ولا أحد يعلم أكثر من كافكا كيف بعرف الفن أو التعبير دون أي إشارة إلى الإستاطيقا. وإذا حاولنا تلخيص طبيعة الآلة الفنية كما يراها كافكا، علينا أن تقول إنها آلة عازبة، الآلة للعازبة الوحيدة، وعليه هي متصلة في حقل اجتماعي له عدة ترابطات (9). التعبير الآلي، وليس الإستاطيقي. والعزوبية حالة من حالات الرغبة وهي أكثر توترا وأكبر من الرغبة بزنى المحارم ورغبة المثلية الجنسية. وبلا شك لها مشاكلها، ونقاط ضعفها، مثل لحظات الكثافة المنخفضة: الاعتدال البيروقراطي، الدوران بدوائر، الخوف، الغواية الأوديبية للدخول بحياة زاهدة (“يمكنه أن يعيش كزاهد فقط أو كطفيلي”). والأسوأ الرغبة الانتحارية لإلغاء للذات. (“طبيعته انتحارية، وعليه، لديه أسنان ليقضم بها لحمه، ولحم فقط من أجل أن يأكله بأسنانه”). وحتى مع هذه السقطات هو نتاج الكثافات (“العازب لديه لحظته”). فهو فاقد الأرض، والمحروم من “المركز” وأي “عقدة ممتلكات ضخمة”: “ولديه أرض لا تزيد عن مساحة قدميه، ومستمسكات لا تزيد عما تقبض عليه يداه، وأقل من بهلوان في برنامج منوعات، ولكن لديه شبكة أمان معلقة تحته من أجله”. ورحلاته ليست رحلات بورجوازي على متن عبارة في المحيط “ولكنها دوران فقط”، رحلة جاهزة، غير أن الشيزو رحلة “على ألواح معدودة من الخشب تتضارب فيما بينها، وتغوص”. رحلته خط للهروب، مثل “دوارة هواء على جبل”. 

ودون أي شك هذه الرحلة لا تبىح مكانها، في كثافة نقية (“استلقى، كما يفعل الأطفال في موسم الثلج في الشتاء، كي يتجمدوا حتى الموت”). وحتى في المكان لا تتضمن الرحلة الهروب من العالم، ولا اللجوء في بىج أو طيف أو انطباع – ويمكن للرحلة أن تحتفظ به “على أطراف أصابع قدميه، وعلى أطراف أصابع قدميه فقط يمكن أن تحتفظ له على الأرض”. 

لا يوجد شيء أقل جمالية من عازب متقشف، ولكن لا شيء أفضل منه فنيا. فهو لا يهرب نن العالم. بل يقبض عليه، ويدفعه للهرب على طول خط مستمر وفني: “يجب علي أن أخرج للنزهة وهذا يكفي. ولكن بالمقابل لا يوجد مكان في العالم لا أستطيع أن أتنزه فيه”. بلا عائلة، لا شراكة، والعازب اجتماعي جدا، اجتماعي – خطير، اجتماعي- خائن، وجماعي بحد ذاته (“نحن خارج القانون، ولا أحد يعرفه، ولكن يعاملنا الجميع على هذا الأساس”). 

هذا سر العازب: انتاجه لكميات هائلة – وأسوأها في “رسائل قذرة قليلا”، وأفضلها في الخلق الفني غير المحدود الذي ينتجه هذا الإنتاج الكمي الهائل، مباشرة عن الجسم الاجتماعي، في الحقل الاجتماعي نفسه. سيرورة موحدة ومفردة. وأعلى رغبة ترغب أن تكون وحدها وأن ترتبط بكل آليات الرغبة.

والآلة كلما كانت اجتماعية وجماعية تكون مفردة وعازبة. وتلك التي تتابع خط الهروب، تساوي بذاتها جماعة لم تتأسس بعد ظروفها. وهذا هو حال التعريف الموضوعي لآلة التعبير، والتي كما رأينا، تقابل الحالة الحقيقية للأدب الثانوي، حيث لام يعد يوجد “اهتمام فردي”. وانتاج كميات مكثة في الجسم الاجتماعي، تطويل وتكثيف للسلاسل، تجاذب متعدد وترابطات جماعية يصنعها الوسيط العازب – هذا هو أفضل تعريف ممكن للأدب الثانوي.

جيل دولوز (يمين) وفيليكس غوتاري (يسار)

جيل دولوز (يمين) وفيليكس غوتاري (يسار)


الهوامش:

5- انظر ماكس برود. “تصدير لرواية “القلعة”. واغينباخ، ضمير كافكا. 102-103.

6- أحد نماذج الفنان، أو تيتوريللي، هو أوسكار بولاك، وهو أيضا واحد من أكثر أصدقاء طفولة كافكا غموضا. ولا شك أن كافكا أحبه جدا، ولكن بولاك خرج من العلاقة بسرعة، ومات في عمر مبكر عام 1915. لم يكن رساما ولكنه متخصص بالباروك الإيطالي. وكان يرتاح جدا لعدد كبير من المواقع الكبيرة التي أثرت بكافكا: الهندسة، الصور المدنية، كتب تجارة وإدارة قديمة. انظر ماكس برود. فرانز كافكا. 54-59.

7- “البديل”: “بالنسبة للطريقة التي اتصلت بها المفاجأة العجيبة والأغنية، تقريبا أختلف كل الشهود بالرأي، وتظاهر المدعي أن المغني ليس المدعى عليه ولكنه شخص آخر”. 

8-تيتوريللي “لم نعد نشك بولائه أكثر من الشك بالمحامي”.

9- استعمال ميشيل الجريء لمصطلح الآلات العازبة ليدل على عدد معين من الآلات الرائعة التي تجد وصفا لها في الأدب: ومن بينها تلك في “مستعمرة العقوبات”. على كل حال نحن لا نقبل تفسيره لآلات كافكا (بالأخص فيما يتعلق ب “القانون”). والصفحات التالية هي من مشروع كافكا الخاص بقصة قصيرة عن موضوع العازب. انظر كافكا. اليوميات 19 تموز 1910، 22-29.


صلات الوصل (1-2) / جيل دولوز وفيليكس غوتاري

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.