قراءة في رواية «ناي في التخت الغربي» لريما بالي

قراءة في رواية «ناي في التخت الغربي» لريما بالي

هناء غمراوي

اول ما تقع العين على العنوان ندرك الاختلاف، فالناي آلة موسيقية شرقية لا يمكن ان تنسجم في ايقاعها مع التخت الغربيّ.

فمن هي ناي؟ وما هي قصتها؟

هي ناديا نجار! شابة سورية من مدينة حلب ارتبطت بشاب من مدينتها، وذلك بعد مضي خمس سنوات من عمرها مع حب انتهى بالفشل. وذلك خلال اقامتها في العاصمة دمشق، ومتابعتها لدراسة الاسبانية في معهد “سرفانتس”. لم يكن ارتباطها بغسان عاطفياً، لذلك بدأت تلك الروابط تتفكك وبخاصة بعد مغادرتهما الى لوكسمبورغ، اثر الحرب الاهلية التي عصفت بالبلد، وكان نصيب حلب منها في الخراب والدمار النصيب الأكبر.

في لوكسمبورغ، تتعرف ناي الى سيزار عن طريق صديقة مشتركة، هي “سيسيل” التي تعود في جذورها الى جدّة من حلب، وتتوطد بينهما الصداقة.

تطلب ناي الطلاق من غسان لتبدأ مرحلة جيدة من حياتها مع سيزار، الذي وقعت في حبه منذ اللقاء الأول والذي سيكون السبب في تغيير مسار حياتها والعبث بأحلامها وهدوئها النفسي، قبل أن يدمّر تلك الاحلام كلياً ويتركها عرضة لأسئلة كبيرة، وكثيرة، عندما يتركها فجأة وبدون سابق انذار. فتعود الى حلب تائهة محطمة، وهي تحضن حيرتها وخيبتها معا.

لم يكن ما سردته ريما بالي مجرد قصة عادية لامرأة غادرت مدينتها بسبب حرب أهلية ثم انفصلت عن زوجها لترتبط برجل آخر! 

ما قدمته ريما بالي في روايتها التي تقع في ٢٤٢ صفحة جاء مختلفاً. فقد طرحت قضية كبرى، قضية ربما لم يلتفت لها الكثير من الكتّاب والروائيين، وهي مشكلة يواجهها النازحون من بلدانهم بسبب الأزمات والحروب قاصدين بلدان أوروبا. وبخاصة العرب منهم والمسلمون. فهؤلاء المهاجرون هم متهمون بالإرهاب حتى تثبت براءتهم. وسيتعرضون للتجسس والملاحقة من قبل اجهزة استخباراتية، غير خاضعة للقانون ولا للأنظمة الشرعية. بل لجماعات سرية تحاول ان تضع جميع هؤلاء الوافدين تحت المجهر بحجة أنهم اما متورطين في الإرهاب أو داعمين له. هذا ما حاول سيزار توريط ناي به وتجنيدها للعمل معه بالتجسس على أبناء جلدتها المهاجرين الجدد، الذين توزعوا في مختلف البلدان الأوروبية. طالباً منها جمع المعلومات عنهم وتقصي تحركاتهم.

لقد نجحت الكاتبة في تصوير الحالة النفسيّة، حالة القلق والضياع التي كانت ناي تعاني منها؛ في الصراع ما بين وفائها لابن بلدها الطيب طارق، الذي كان ينظر اليها بعين الأخ، والمطلوب منها متابعته ومراقبته كإرهابي رغم براءته، وبين ولائها لسيزار الذي أحبته من قبل ان تتورط معه بمشروعه التجسسيّ. ونرى الى ان الكاتبة، وظّفت معارفها في العلوم، والتكنولوجيا والتاريخ والجغرافيا؛ كما استخدمت أسفارها الخاصة، لتصف الأماكن التي حكت عنها في الرواية. كل هذه العناصر جمعتها ريما بالي لتخدم مشروعها السرديّ؛ متسلحة بأدوات الكاتب المتمكن، من لغة سليمة وأسلوب شيق.

فاذا ما قصدنا قراءة هذه الرواية بهدف المتعة والتسلية فقط فإننا لن نبلغ الهدف المطلوب. فالرحلة مع “ناي في التخت الغربي” ليست نزهة ربيعية في غابة وارفة الأشجار، بل هي “رحلة جبلية، رحلة صعبة” لكنها لا تخلو من الاثارة والتشويق، والتفكّر العميق! لأنّها تحرّك كلّ مكامن الشعور عند الانسان، وتجعله يلهث مع الكاتبة في تنقلاتها بين حلب وباريس، وبين بروكسل ولاس بالماس. كما انه يسافر الى الماضي مع سيسيل عندما تغوص في تقصي حكايات الأجداد، لتثبتها كحقائق علمية تدعم بها كتابها الذي يدعو الى رفض العنصرية، ويبشر بخلاصة مفادها؛ أن” ليس هناك عرق صاف! والهوية هي قشرة واهية لمزيج كثيف مهجّن ومتراكم عبر العصور. وأن كلّ واحد من البشر يخفي تحت جلده البشر جميعاً”.

ومن حلب، بجوار المدفأة الخالية من اللهب بسبب انقطاع مادة المازوت، وفي حوار أخير مع طيف والدها… تكشف ناي عن سبب المعاناة التي يعيشها شعبها، وكذلك أغلب الشعوب، على لسان هذا الوالد الثمانينيّ؛ “هنن هيك بدن”! مين هنن؟.

من هم هؤلاء؟ الكبار الذين يحكمون العالم.


هامش

– رحلة جبلية رحلة صعبة؛ إشارة الى عنوان السيرة الذاتية التي كتبتها فدوى طوقان

-“هنن هيك بدن” لهجة محكية تعني؛ هم هكذا يريدون.

ريما بالي روائية سورية من مواليد مدينة حلب، حاصلة على إجازة من كلية التجارة والاقتصاد، جامعة حلب. عملت في مجال السياحة والفندقة حتى مغادرتها لمدينة حلب العام 2015، مقيمة حالياً في مدريد اسبانيا. صدر لها؛ ميلاجرو/ رواية العام 2016 – غدي الأزرق/ رواية العام، 2018 – خاتم سليمى/ رواية العام، 2022 – ناي في التخت الغربيّ/ رواية العام، 2023.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.