حانة الشعراء
اللوحة: الفنان الألماني بيتر كريمر
تناول الشعراء الخمر وأوصافها، وأوانيها وأشكالها، ومواطنها ووصف مجالسها وما فيها من سقاة وندماء وغناء ولهو وطرب، ووصفًا لتأثيرها على النفس والجسد، ويعد أبو نواس من رواد شعر الخمريات حيث جاءت قصائده كأحد أبرز تيارات التجديد في أدب العصر العباسي، ويعتبر التغني بالخمرة والتلذذ بشربها والتفنن في إعدادها أبرز مواضيع هذه القصائد إذ جعل أبو نواس منها بديلا عن حبيبات أهل البدو؛ فمجدها وتغنى بها عوض أن يقف على أطلال حبيبة أو خليلة.
وفي المقاطع الشعرية الآتية، سنحاول الوقوف على بعض ما ذكره الشعراء في مختلف العصور الأدبية عن الخمر ووصفها:
عنترة بن شداد:
ولقد شربتُ من المدامة بعد ما
ركد الهواجرُ بالمشوف المعلم
بزجاجة صفراءَ، ذات أسِرّة
قُرِنتْ بأزهَرَ في الشّمالِ مفدّمِ
فإذا شربتُ فإنّني مستهلكٌ
مالي، وعرضي وافرٌ لم يُكلَمِ
وإذا صحوتُ فما أقصّر عن ندى
وكما علمتِ شمائلي وتكرّمي
المنخّل اليشكري:
ولقد شربتُ من المدامة بالصغير وبالكبير
فإذا انتشيتُ فإنّني ربُّ الخَوَرنق والسّدير
وإذا صحوتُ فإنّني ربُّ الشويهة والبعير
لبيد بن ربيعة:
بَل أَنتِ لا تَدرينَ كَم مِن لَيلَةٍ
طَلقٍ لَذيذٍ لَهوُها وَنِدامُها
قَد بِتُّ سامِرَها وَغايَةُ تاجِرٍ
وافَيتُ إِذ رُفِعَت وَعَزَّ مُدامُها
أُغلي السِباءَ بِكُلِّ أَدكَنَ عاتِقٍ
أَو جَونَةٍ قُدِحَت وَفُضَّ خِتامُها
وَصَبوحِ صافِيَةٍ وَجَذبِ كَرينَةٍ
بِمُوَتَّرٍ تَأتالُهُ إِبهامُها
بادَرتُ حاجَتَها الدَجاجَ بِسُحرَةٍ
لِأُعَلَّ مِنها حينَ هَبَّ نِيامُها
وَغَداةِ ريحٍ قَد وَزَعتُ وَقَرَّةٍ
إِذ أَصبَحَت بِيَدِ الشَمالِ زِمامُها
طرفة بن العبد:
ومازال تشرابي الخمورَ ولذّتي
وبيعي وإنفاقي طريفي ومتُلدي
إلى أن تحامتني العشيرةُ كلُّها
وأفردتُ إفراد البعير المعبّد
عمرو بن كلثوم التغلبي:
أَلا هُبّي بِصَحنِكِ فَاَصبَحينا
وَلا تُبقي خُمورَ الأَندَرينا
مُشَعشَعَةً كَأَنَّ الحُصَّ فيها
إِذا ما الماءُ خالَطَها سَخينا
تَجورُ بِذي اللُبانَةِ عَن هَواهُ
إِذا ما ذاقَها حَتّى يَلينا
تَرى اللَحِزَ الشَحيحَ إِذا أُمِرَّت
عَلَيهِ لِمالِهِ فيها مُهينا
صَبَنتِ الكَأسَ عَنّا أُمَّ عَمرٍو
وَكانَ الكَأَسُ مَجراها اليَمينا
وَما شَرُّ الثَلاثَةِ أُمَّ عَمرٍو
بِصاحِبِكِ الَّذي لا تَصبَحينا
وَكَأسٍ قَد شَرِبتُ بِبَعلَبَكٍّ
وَأُخرى في دِمَشقَ وَقاصِرينا
وَإِنّا سَوفَ تُدرِكُنا المَناياَ
مُقَدَّرَةً لَنا وَمُقَدَّرينا
عدي بن زيد العبادي:
بكر العاذلونَ، في وضح الصبــح،
يقولونَ لي أما تستفيقُ؟
لستُ أدري إذا أكثروا العذلَ فيها،
أعدو يلومني أم صديق
ودَعَوا بالصبّوح يوما، فجاءَت
قينةٌ في يمينها إبريق
قدَّمتْه على عُقار كعين الديكِ
صفّى سلافها الراووق
مُرّة قبلَ مَزجها، فإذا ما
مُزحِت، لذَّ طعْمَها من يرذوق
وطَفا فوقها فقاقيع كالياقوتِ
حُمرٌ يُثيرُها التصفيقُ
ثمّ كان المِزاجُ ماء سحابٍ
لا صدى آجنٌ ولا مطروق
الأعشى:
وقد غدوتُ إلى الحانوت يتبعُني
شاو مِشَلٌّ شَلولٌ، شُلشلُ، شَوِلُ
في فتيةٍ كسيوف الهندِ قد علموا
أن ليسَ يَدفَعُ عن ذي الحيلةِ الحيلُ
نازعتُهُم قُضُبَ الرّيحانِ، مُتّكئا
وقهوةً مُزَّةً راووقُها خَضِلُ
لا يستفيقونَ منها، وهى راهنة
إلاّ بـ «هاتِ» وإن علّوا وإن نهِلوا
يسعى بها ذو زجاجاتٍ له نُطُفٌ
مُقلّصٌ أسَفَلَ السربالِ، مُعتمِلُ
ومستجيبٍ لصوتِ الصنج تسمَعَهُ
إذا ترجّعُ فيه القينةُ الفُضُلُ
***
وصهباءَ طافَ يَهوديُّها
وأبرزها وعليها خُتُم
وقابلها الرّيحُ في دنّها
وصَلّى على دَنّها وارتَشَم
تَمزَّزْتُها غيرَ مُستَدبرٍ
عن الشّربِ أو مُنكِرٍ ما عُلِم
حسان بن ثابت:
كأنَّ خبيئةً مِن بيت رأسٍ
يكون مَزاجَها عسلٌ وماءُ
على أنيابها أو طعمَ غَضٍّ
مِن التُّفاح هَصَّره اجتناءُ
إذا ما الأشرباتُ ذُكرنَ يوما
فَهُنَّ لِطَيّبِ الرّاحِ الفِداءُ
نُولّيها المدامة، إن ألَمنا
إذا ما كانَ مَغثٌ أو لِحاءُ
ونشربُها، فتَترُكنُا ملوكا
وأُسدا ما يُنَهنِهُها اللّقاءُ
الأخطل:
فقلتُ: اصبحوني، لا أبا لِأبيكُم
وما وضعوا الأثقالَ إلّا ليفعلوا
أناخوا، فجرّوا شاصيات كأنّها
رجالٌ من السّودان لم يتسربلوا
وجاؤوا ببيسانيّة، هي بعدَما
يَعُلُّ بِها السّاقي، ألذَّ وأسهَلُ
فصبّوا عُقارا في إناءٍ كأنّها
إذا لَمَحوها، جُذوةٌ تتأكّلُ
فلّذِتْ لِمُرتاحٍ، وطابت لِشاربٍ
وراجعني منها مِراحٌ وأخيَلُ
فما لَبَّثتْنا نشوةٌ، لحقت بنا
توابِعُها، ممّا نُعَلُّ ونُنْهَلُ
تدبُّ دبيبا في العظام، كأنّه
دبيبُ نِمالٍ في نقا يتهيّلُ
فقلتُ: اقتلوها عنكُم بمزاجها
فأطيبْ بها مقتولة حينَ تُقتَلُ
***
شَرِبنا فَمُتنا ميتَةً جاهِلِيَّةً
مَضى أَهلُها لَم يَعرِفوا ما مُحَمَّدُ
ثَلاثَةَ أَيّامٍ فَلَمّا تَنَبَّهَت
حُشاشاتُ أَنفاسٍ أَتَتنا تَرَدَّدُ
حَيَينا حَياةً لَم تَكُن مِن قِيامَةٍ
عَلَينا وَلا حَشرٍ لَنا بِهِ مَوعِدُ
حَياةَ مِراضٍ حَولَهُم بَعدَما صَحَوا
مِنَ الناسِ شَتّى عاذِلونَ وَعُوَّدُ
وَقُلنا لِساقينا عَلَيكَ فَعُد بِنا
إِلى مِثلِها بِالأَمسِ فَالعَودُ أَحمَدُ
فَجاءَ بِها كَأَنَّما في إِنائِهِ
بِها الكَوكَبُ المِرّيخُ تَصفو وَتُزبِدُ
نَفوحٍ بِماءٍ يُشبِهُ الطيبَ طيبُهُ
إِذا ما تَعاطَت كَأسَها مِن يَدٍ يَدُ
تُميتُ وَتُحيِي بَعدَ موتٍ وَمَوتُها
لَذيذٌ وَمَحياها أَلَذُّ وَأَمجَدُ
أبو نواس:
أسقياني من شمولِ
في مدى اليوم الطويل
خمرةً في عَرفِ مِشكٍ
عُصرت من نهرِ بيلِ
ويحُها يسطعُ منها
فائحاً من رأس ميل
في لسان الشربِ منها
مثلُ لذع الزَنجبيل
عُتّقَت حولاً وحَولاً
بين كرَم ونخيل
وعلى وجهٍ غزالٍ
أحورِ العين كحيل
فاسقيانيها نهاراً
واهتفا بالشمسِ زولي
إنما يُذهبُ مالي
طولُ إدمانِ الشمول
قلت لمّا رام نسكي
فنهى عنه عذولي
أن أدعها قوتَ أُخرى
من مزاجٍ الزنجبيلِ