أيام في الموصل..

أيام في الموصل..

اللوحة: الفنان الإنجليزي توماس رولاندسون

فواز خيّو

كان الخلاف التاريخي بين شطري البعث في العراق وسوريا يلقي بظلاله حتى على الهواء. مصحوبا بحساسية خطيرة، لدرجة انك تستطيع ذكر إسرائيل براحة. لكن اذا ذكرت العراق؛ ثمة صمت مخيف، وعيون تراقب ملامحك. 

قال لي مرة الدكتور جورج صدقني، وزير الإعلام عام 1973 وعضو القيادة القومية: كنت في مكتبي في التلفزيون ذات مساء، وإذ بمحرر الأخبار يدخل مسرعا، وكأنه أحضر لي صيدا. سألني: سيدي هل نذيع هذا الخبر؟ كان الخبر يقول: لقد غادر وزير الخارجية الجزائري دمشق؛ بعد زيارة رسمية، متوجها إلى بغداد. سألته: وما الموضوع؟ قال: فيه كلمة بغداد. قلت له: إذا كنا مختلفين مع النظام العراقي؛ فهل نحذف العراق من الخارطة؟.

كان كل طرف يحلم ان يصحو صباحا؛ ليسمع البيان رقم 1 من الإذاعة الأخرى.. 

نعم وصلت حساسية ذكر العراق إلى هذه الدرجة. وبالتأكيد ذكر سوريا في العراق كان له نفس الحساسية والخطورة.

كان صدام حسين قد أعاد تجميع وتنظيم البعث والبعثيين، بعد أن بطش بهم عبد الكريم قاسم بمساعدة الشيوعيين، ومن جاء بعده. وقام بانقلاب عام 68. متخذا من أحمد حسن البكر واجهة عسكرية، كونه يحظى بالاحترام. تماما كما فعل عبد الناصر والضباط الأحرار مع اللواء محمد نجيب. 

وفوق ذلك استعان صدام حسين بالقيادة القومية التي غادرت سورية على أثر حركة 23 شباط عام 66، مثل ميشيل عفلق وشبلي العيسمي وغيرهم، كغطاء أيديلوجي، وشرعية حزبية، كونهم مؤسسين. 

العراق وسوريا، كلاهما عمق الآخر، جغرافيّا وتاريخيّا، و شركاء في أقدم وأعرق الحضارات، ويشكلان قوة بشرية واقتصادية، ويطلّان على الخليج العربي والبحر المتوسط. فلو قُدّر توحيدهما؛ لن تستطيع قوة أن تخترق وتزعزع هذا الشرق، ولما شهدنا ما نشهد الآن.. لكن لن يُسمح بذلك. وحده سرجون الثاني وحدهما، من الخليج إلى البحر. 

كان حلم زيارة العراق كبيرا بالنسبة لي.. كم هو رائع أن تزور بغداد والبصرة.كم هو جميل أن تقف على ضريح السياب ونازك الملائكة وناظم الغزالي والكرماني. 

يا ألله، حين قرأنا وأحببنا السيّاب وبلند الحيدري وناظم الغزالي وغيرهم؛ لم نسأل إذا كانوا سنّة أو شيعة، صار هذا السؤال في العراق والمنطقة يُسأل قبل المصافحة. 

حين استدعى هولاكو الشاعرالكرماني؛ سأله: اذا عُرضتُ للبيع فبكم تشتريني؟ 

قال له الكرماني: بأربعة دنانير. 

قال هولاكو: ولكن النطاق الذي ألبسه يساوي أربعة دنانير.

قال له الكرماني: نعم، وأنا اشتريك من أجل النطاق 

فقطع رأسه. 

كم الفرق بين الكرماني وابن العلقمي الجاسوس الذي كان له الدور الحاسم في سقوط بغداد.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.