هيام علي الجاويش
اللوحة: الفنان العراقي سنان حسين
صديقي.. طرقت الباب ودخلت، سلّمتْ ثم جلستْ، بادرتها بالقول: منعشة القهوة عند الصباح، جيدٌ قدومك في وقته، وبهذا الكلام أنافق مرتين، الأولى هي أنني لست ممن يحبون شرب القهوة لكنها أفضل المشروبات المسموح بها أثناء الدوام، والثانية هي لو أنني سأقضي يوماً مع الحمّى كان لي أفضل من ساعة أقضيها مع هذه المتطفلة، لكن لا بأس لكل شيء نهاية، ساعة وتمر وربّما أقل أو أكثر، لكن مؤكد ستنتهي زيارتها، وبكل تأكيد ستنتهي سريعاً لأنه لا يوجد شيء تتكلم به تلك الفارغة.
لقد كانت من الجيل الذي ننتمي إليه، لكنها لم تكن تنتمي إلى الاهتمامات والمواضيع التي ننتمي إليها، وباختصار كان معقّدو جيلنا ينظرون إليها على أنها، فارغة، تافهة، أو، أو، إلى ما هنالك من تسميات يحب الشباب قولها والتباهي باستنباط أكثر كمّ ونوعية منها. لكن لا بأس ستذهب، بعد أن تشرب قهوتها، فهي لم تتكلم مذ أن دخلت، ولكن بأيّ شيء تتكلم؟
نظرتُ إليها وهي ترتشف قهوتها, ولاحظت كم تغيّرت،فقد هدأت وكبرت ونضجت واختفت تلك النظرة الشيطانية الجريئة, فلم تعد لامبالية ولم تعد مشاكسة ولا معاندة ولا لعوب, نعم لقد كانت مختلفة، وظننت بأن هناك شيئاً ما طرأ شيء كبير وكبير جداً حتى تتحول بالشكل الذي ذكرت. صحيح أنني لم أرها منذ زمن بعيد ولكن هل يعقل أن تكون (دلولة) أمها قد تغيّرت ونضجت بهذا الشكل الكبير, فربمّا تكون قد تعرضت لصدمات عنيفة.
صديقي: لكن ألا نخطئ عندما نظن بأن الصدمات الكبيرة في الحياة هي التي تؤدي إلى انعطافات كبيرة؟ أجل نخطئ كثيراً، لأن الصدمات الكبيرة تسبب التوقف أو التراجع قليلاً لكن التفاصيل الصغيرة هي التي تقودنا إلى تحولات كبيرة، إذاً هي الحياة تنضجك بصقيعها كما تنضجك بنارها أو برتابتها أحياناً، وبصخبها أحياناً أخرى.
أنهت فنجان القهوة كاملاً حتى همّت بالكلام فأحسست بالفرج ها هي ستستأذن وتذهب وربمّا تخرج دون استئذان كما دخلت، لكن شيئاً من هذا لم يحدث, وسألت نفسي: (بوجه مين تصبّحت اليوم ) وأخيراً تكلمت قائلة: سأحكي لك قصتي, (والله يعمل منها مسلسل) وعلى الرغم من قناعتي بأنها لا تملك شيئاً مختلف عن بقية العباد قلت هات اسمعينا.
صديقي:
لا يمكنني أن اكتبها كما سمعتها لأنني سمعتها بالعامية البعيدة كل البعد عن الفصحى، وإليك ما قالت: هناك أمور علِمتُ بها سيطرت على تفكيري, وصورها شوّشت ذهني، عند سماعي هذه الجملة تداخلت مع ذاتي وتساءلت، تُرى مَنْ يستملك ويستعبد الأخر؟ أهو نحن من نستعبد اللحظة ونستدعيها عندما نشاء؟ ونستملك الصور والأفكار التي نريدها ونستعبدها وقت نشاء؟ أم أنها هي من يحتل أوقاتنا وأذهاننا وتفاصيل حياتنا وتشل تفكيرنا بغيرها؟ أم أن الأثنين معاً: نستعبد ما نهوى ويستعبدنا ما نكره؟ وتتابع إذا كان لديك وقت، سأبدأ من ذلك اليوم الذي وجدت اجابات عن أسئلة لم أسألها ولكن تقبّلتها على أنها جزء من الواقع. وعندما رأت نظرت تساؤل أجابت قائلة: لا أعمام ولا عمّات، لا أخوال ولا خالات، لا جدّ ولاجدّة، فقط أم صغيرة وجميلة وأب كهل، ما لبث أن غادرنا.
صديقي سأروي لك ما حدث معها في ذلك اليوم، أتى إلى بيتها وهو يطأ عتبة الباب مطأطئا رأسه خانعاً وخاشعاً بصره حتى لكأنك تظن أنه لا يفتح عينيه إلاّ بالقدر الذي يرى طريقه فيهما، داعياً بكلمات وبآياتٍ, بصوت واضح أحياناً ومبهم في أحياناً أخرى، ويدخل إلى الداخل، طالباً من الله مباركة البيت وأهله، ويطلب من الله عودة غائبهم وشفاء مريضهم ونجاح طلابهم, وطالباً رزق المحروم بالذرية الصالحة, وتيسير الرزق لصاحب البيت والسترة لصاحبة البيت، وعندما ينسى أن يذكر حاجة معينة يأتي صاحبها ويقول له: أدعي لي يا شيخ (لكذا) ويعلو صوت الشيخ بالدعاء طالباً فتح الأبواب المغلقة وجلب الحظوظ، أو أن يشرح قلب فلانة بنت فلانة ويجعل له نصيب فيها أو أن يحنن قلب والدها ,أو أن يرزق من طال بها الانتظار عريساً.. أيّ عنده حلّ لكلّ مشاكل العباد، على أن يقوموا بتقديم القرابين لله والزكاة للفقراء والمساكين.
وفي يوم اعتبره هو يوماً عاثرا, أم البعض فقد اعتبروه يوم حق، في ذلك اليوم حسب حساب كل شيء وأيّ شيء سائلاً فاحصاً مدقّقاً بأساليب شتى عن حاجيات ومشاكل ومطالب وتفاصيل أخرى كثيرة, عن ميزات وصفات هذا البيت وصفات أهله وخاصتهم ويتكلم عنها وعنهم مضخماً صفاتهم الإيجابية ماراً مرور الكرام على الصفات السلبية، كأن يقول أنك صاحبة فضل ورزق كبير كيفما اتجهت، وهي منّة من الله ولكنكِ حذرة قليلاً في الانفاق، فما يكون منها إلاّ اظهار الكرم، وفي كل مرّة يكون عنده مفاجأة كبرى, إذا يواجه صاحب سرّ بسرّه, والذي يكون قد حصل عليه بإحدى طرقه المتنوعة وملمحاً بأنه يوجد أشياء أخرى, لكن الله أمر بالستر، ويردف ذلك بمعلومة تخص أساس البيت كاتجاه أبواب الخزانة والتي قد لا تتوافق مع اتجاه باب غرفة النوم ويعطي الاتجاهات وبالتفصيل، وهذه تكون كالصاعقة على صاحبها، فكيف لو كشف المستور؟ حتى ليظن أنه يعلم ما خفي وما ظهر، ما بَطُنَ وما جهر، ويعلم ما كبر وما صغر، ويعلم السر والعلن، وعندما يتيقن أنه أصاب الهدف يتوقف عن الكلام حتى لا يفسد ما أنجز، ويختتم كلامه بأن لا حول ولا قوة للعبد إلاّ بأذن بالله، ولا أحد يعلم ما في الصدور، لكن الله يعطي من يشاء، ويسأل الله العلي القدير أن يوفقه لما هو خير له وللعباد، وعندما يستزيده أحدهم, يكون تمنعه عن الكلام كبير مما يعطيه وقارا وهيبة قائلاً: أنا لا أعرف، ولا يحق لي ألا أنطق إلاّ بالخير، أما السحر والشعوذة هي من أعمال الشياطين والدجالين من البشر، أما أنا فأتوكل على الله في القول والفعل.
نعم حسب لكل شيء إلاّ حساب دفتر عتيق, دفتر أسقطه من الحساب، وهل يعقل أن يُفتح دفترٌ عمره خمس وأربعون عاماً؟ إن أكبر جريمة تسقط بعد عشرين عاماً، وهنا نتحدث عن دفتر عمره خمس وأربعون عاماً،فترة تكاد تكون نصف قرن، ثم أن الله غفور رحيم، وربمّا معظم من كان يعلم بالدفاتر العتيقة قد نسيها أو مات، زيادة على ذلك فهو لا يذهب إلى مكان قد يعرف ماضيه فيه أحد ثم أنه تغّير كثيراً في لباسه وشكله، أصبح يلبس جلباباً وأطلق شاربيه ولحيته، وكذلك أطلق على نفسه أسم ديني، يدّعي أن صاحبه قد أتاه بالمنام، أسم يناسب هيبته ووقاره!
صديقي: ولنا عن ذلك حديث طويل أسرده عليك في جلسة قادمة.