القضيَّة

القضيَّة

اللوحة: الفنانالعراقي مهدي النفري

نهلاء توفيق

وأنا صغيرٌ ومذ فهمتُ بعض الشيء من الحياة، أحسستُ أنّ هناك أمرًا خطيرًا أنا مسؤول عنه، أسميته قضية.أختي الكبرى تضربني ولكني مظلوم، أشتكي عند أبي وأمي ولا يبالون فلا أبكي؛ أذهب إلى حقيبتها أمزق الأوراق وأكسر الأقلام، ومع أني انتقمت ولكني ما أزال أشعر بشيء فوق رأسي عظيم.. عندما كبرتُ، كبرتْ معي القضية؛ فثَقُلَ رأسي.. إنها تؤرقني ليل نهار وتقلِقُ نومي.

تسأل أمي: ما بك ولدي؟ لستَ كبقية الأولاد فلا تصاحب أحدًا ولا تفرح مثلما يفرحون.

– هم رؤوسهم خفيفة أمي، أنا رأسي ثقيل.

– ثقيل؟ لماذا؟ تلكم بنيّ، أفصح عما في داخلك.

– لن تفهميني أمي.

عند الطبيب النفسي، أجبت على كل الأسئلة بدون تفكير أو تردد.خرج لوالديّ وهو مصدوم: ابنكم يريد أن يحلَّ مشاكل العالم كلها وحتى مشاكل الدول! كتبتُ له حبوبًا مهدئة.

– ماذا؟ هل جُنَّ ولدنا؟!

أخرجونا من المدرسة لنخوض مظاهرة، لقَنُّوُنا ماذا نقول وبماذا نهتف: بالروح بالدم نفديك يا فلان. لم أهتف ولكني هربت، أمسكني المراقب مع صحبه فأشبعوني ضربًا؛ بدأتْ تكبر القضية فثَقُلَ رأسي أكثر. 

جارنا سرقَ من دولاب المكتبة العامة، وأنا رأيته بأم عيني، طلب مني أهلي السكوت وعدم التدخل، قالوا: الناس كلها لا تتدخل إلا نحن؟

 الطالبة فلانة ذهبت مع صديقها في نزهة دون علم أهلها والذين يظنون أنها في المدرسة.. (يا بني والله أنت ترهِقُنا، مالنا ومال بنات الناس) وصارت القضية تكبر أكثر فأكثر.

أقحموني في خوض الانتخابات مع أهلي عنوةً، لا أعرفُ فلانًا ولا فلان، كتبت اسم والد صديقي الذي أحبه كثيرًا، وخاصة أنه أنقذ طفلًا من الغرق، ومرةً رفض رشوة في عمله.

الآن أنا في مستشفى السجن وأهلي يزوروني في مواعيد.

– ابنكم معارض سياسي.

– يا للهول، ماذا تقولون؟ إنه مريض ولدينا تقارير بهذا.

كبرت القضية بصورة لم يعد يتحملها رأسي، صارت تضغط عليَّ إلى أن أصابني الإعياء.. أخرجوني بعدما فقدتُ نظري، حملني أبي إلى الببت وهو يبكي وأمي تولول.. أنا لا أرى شيئًا، ولكني أحسستُ أن القضية فوق رأسي انفجرتْ؛ فارتحتْ!

غطى وجهي الطبيب.

رأي واحد على “القضيَّة

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.