المَذَلَّة في ميزان الدين

المَذَلَّة في ميزان الدين

اللوحة:الفنان الهولندي بيـتر بـريغـل الأبّ

في عصر الدولة المَمْلوكية كانت مصر بوابة التجارة إلى أوروبا، هذا الحظ الجغرافي تَسبَّب في فترة ازدهار لمصر، كان للمماليك الحُرية المُطلقة في فرض رُسوم على البضائع، فأثار هذا حفيظة التُجار الغربيين، علاوة على ذلك؛ انتشر في عهد المماليك التزوير في العُملة، وذلك بتقليل قدر الذهب فيها.

هذا الوضع الذي تحكَّمت به مصر في التجارة الأوربية، أثار البابا في الفاتيكان، فما كان منه إلا أنْ أصدر فتوى بأنَّ البحث عن طريق بديل للتجارة هو واجب الجميع وعليهم أن يَنْفِروا لاكتشافه، للتخلص من تحكم المسلمين في التجارة الغربية.

تلقى المُلوك هذا النداء، ثم كان النشاط المَحموم في كل أوربا، والذي انتهى إلى اكتشاف رأس الرجاء الصالح، وتَبِعَه اكتشاف الأمريكتين، واستغنى الغرب عن مصر والمسلمين، وأضافوا إلى المسيحية ثلاث قارات جديدة، (أمريكا الشمالية والجنوبية واستراليا)، وتوقفت الثروة التي كانت سببا في رفاهية مصر المملوكية واستقرارها وتفوقها الحضاري، تغير حال المصريين وافتقروا بعد أنْ لجأ المماليك إلى فرض الضرائب على الشعب لتعويض رفاهيتهم التي حُرِموا منها، فكان عصر المماليك الثاني الذي هو بداية الانحدار.

في هذا المثال كان للبابا دور إيجابي وحاسم في معالجة الأمور التي تَمَس حياة المسيحيين، فكما كانت الكنيسة الكاثوليكية هي التي أضرَّت بأوربا باضطهادها للعلماء والعلم، حتى ثار عليها الناس، فهي أيضا التي تسببت في نهضة أوربا من جانب آخر، ويرجع السبب إلى أنها كانت سلطة عُليا، فكانت حُرة في خَطاياها وحَسَناتها.

لا يوجد أسوأ من حال المسلمين والعرب اليوم في كافة المجالات، وهذا الحال الذي وصلنا إليه لم يُثِر حفيظة علمائنا إلى اليوم، رغم المكانة الروحية العالية للدين في قلوب الناس، إلا أنَّ العلماء صَبّوا معظم الوصايا والانتباه في وعاء قضايا هامشية وظاهرية وبعيدة كل البعد عن معالجة هذا التخلف والخَطر الذي انغمسنا فيه.

نحن للأسف عرايا وعُزَّل تماما، فقط ننتظر القَدَر، فما على أي دولة متقدمة إلا أنْ تتجه بنظرها إلينا، فقط مجرد النِيَّة، سوف يتلو ذلك وضعا لا خيار لنا فيه، سوف نكون مثل الدجاج المصفوف على سير المذبحة، أي مقاومة منا سوف تكون عديمة الجدوى، فالأسلحة الحديثة تهلك البلاد عن بعد، بل هناك أسلحة نظيفة تميت البشر وتُبقي على كل شيء كما هو، ولا تجدى مع تلك الأسلحة روح البطولة أو الرغبة في الشهادة.

أين علماء الدين الذين يُفتون بأن التخلف الذي نحن فيه هو الكفر بعينه؟ ألم يقل الشافعي: “همتي همَّة ُ الملوكِ ونفسي نَفْسُ حُرٍّ تَرَى الْمَذَلَّة َ كُفْرَا

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.