د. محمد جابر لطفي
اللوحة: الفنان الإسباني فرانشيسكو جويا
صرير هامس لمقعد خشبى عتيق يتحرك بصعوبة على أرضية حجرة تكسوها بلاطات حجرية بيضاء تسكنها شقوق سوداء متعرجة.. يد طفلة لا تتجاوز العاشرة من عمرها تدفع ذلك الكرسى بعيدا عن مائدة متهالكة ترتعش كلما لمسها أحد من أفراد المنزل القديم. يتعالى صراخ الطفلة ذات الضفائر السوداء والتي تنظر إلى أمها الواقفة بعيدا.
- أمّا!
- مالك يا إحسان مالك مش شايفانى مشغولة في الطبخ بأعمل الأكل إللى حتطفحيه إنت وأبوكى.
- أمّا!
- فيه إيه يازفته قرفتينى في عيشتى
- عمى بيسالنى حناكل إمتى
- عمك مين فيهم يا بت هو لسه فيه حد في البيت غيرى وغيرك وأختك المدعوقة نادية
- أمّا.. عمى أهو واقف وبيسألنى حناكل إمتى
- تترك الأم المطبخ مسرعة إلى إبنتها التي تشير إلى الفراغ وتجذبها من يدها وتدخلها إلى غرفة بها سريران أحدهما تنام عليه طفلة رضيعة في سكون ثم تغلق الباب وهى تصرخ
- بت يا إحسان إتنيلى إقعدى هنا لغاية ما أشوف مين إللى عايز يا كل ده
- حاضر يا أمّا بس الست إللى واقفة على الحيطة بتسأل هي كمان
- إخرسى بقى ولا أقول لك.. قولى لها حناكل بعد نص ساعة، إرتحتى إنت وهى؟
- حاضر يا أمّا تتجه إحسان بنظرها إلى أحد الجدران وتخبر المرأة الشبحية بما قالته أمها التي تتحرك نحو وسط الصالة قائلة:
- هو فيه إيه ؟ملهوفين على إيه؟ ما أنا بأعمل الأكل كل يوم الساعة 5 ودلوقتى الساعة 4 لسه.
لايرد أحد على صراخ المرأة التي تذهب إلى المطبخ لتعد الطعام لزوجها وإبنتها والآخرين.
طرقات سريعة على باب الشقة.. تنادى الأم على إبنتها لتفتح الباب لكن الطفلة لا تجيب فتذهب أم إحسان وهى تطلق سيلا من الشتائم في كل إتجاه لتجد رجلا نحيفا أصلع الرأس يرتجف فتبدأه بالحديث:
- مالك يا أبو إحسان إيه إللى جرى لك؟
- مش عارف يا سنيه أنا تعبت في الشغل أوى
- سلامتك يا خوى حاسس بإيه؟
- عندى عطس وكحة وزورى واجعنى.. الظاهر جالى برد
- معلش ده دور وداير في البلد ده حتى جارتنا أم على والست نظيرة المدرسة عندهم نفس الدور إدخل ريح شوية على ما أخلص الغدا
- حاضر يا ختى حاضر
يتجه الرجل إلى غرفته وهو يجر أقدامه بينما تتعالى ضحكات خبيثة في أرجاء الصالة تدفع سنية إلى الصراخ من جديد
- مالكم بتضحكوا على إيه ؟على الراجل إكمنه بعافيه شويه ولا عشان.. تسكت المرأة فجأة وتقرر الذهاب للمطبخ.
لا تمر دقائق حتى تمتلئ الصالة بصيحات الأم وهى تنادى عل زوجها وإبنتها والآخرين. يجتمع شمل الأسرة حول المنضدة ويسود الصمت حتى يقطعه صوت إحسان
- أمّا.. عمى يبقول إن الأكل طعمه وحش أوى النهارده وإنك عملاه من غير نفس.
نعم ياعمر.. وحش.. خلاص إللى مش عاجبه يطفح بره
ينظر إليها زوجها وهو يرتعش
- كفاية بقى يا سنية إنتى وإحسان أنا تعبت من جنانكم ده، عمى مين وست مين إللى بتكلميهم إنتى وبنتك من سنين.. أنا خلاص مش قادر.. النهارده كنت ناوى أطفش وما أرجعش.
- نعم يا سى جمال.. نعم.. تطفش وتسيب لحمك؟ صدقت أمى لما قالت إنك راجل خسع
- إمك طول عمرها يا سنية بتكرهنى بس ده مش موضوعنا أنا باقول لك أهوه لو مارحتيش بكرة للشيخ حسنين في كفر الدوار مش حتلاقينى في البيت فاهمة يا سنية مش حا أرجع أبدا.
- جمال لو رحت للشيخ حسنين بتاعك ده حتتطربق على دماغك إنت وأهلك كلهم
- نعم.. ليه إن شاء الله ؟
- لأن أسخموت حيزعل وهو زعله وحش.
- أسخموت مين يا وليه يا مهفوفة أنت.. أسخموت ده عشيقك ولا إيه؟
- عشيقى يا راجل يا ناقص يا دهول الظاهر إنك عايز تتأدب بقى لك كام شهر ماشفتش حاجة
يرتجف الرجل من الخوف والحمى ويصمت ثم يذهب في ذلة إلى غرفته تلاحقه ضحكات زوجته ونظرات إبنته وسخرية أسخموت.
إمراة ثلاثينية تمسك بذراع إبنتها تجرها بقوة تجاه سلم حجرى متآكل.. تدق أقدامهما على درجات السلم القديم حتى يصلا إلى باب خشبى ذو لون أسود كالح.. تمسك سنية بحلقة نحاسية معلقة على الباب تدق بها ثلاث مرات سريعة ثم تلحقها بدقة خفيفة.. تمر لحظات كأنها سنوات لينفتح البا ب ويأتي من الداخل صوت أدمي أجش.
- تعالى يا أم إحسان أنا مستنيكى من الصبح
تجتاز المرأة والطفلة دهليزا قصيرا مظلما.. يبدو من بعيد في أقصى الغرفة رجلا ضئيلا أصلع له لحية قصيرة جالسا على حجر أبيض متسخ وأمّامه مجمرة كبيرة تتصاعد منها روائح كريهة يشير الرجل إلى الضيفتيتن بالجلوس أمّامه تنظف المرأة الأرض بيدها ثم تجلس وتحمل ابنتها على فخذها وتنتظر إلى أن يبدأها الرجل الكلام:
- أهلا يا سنية إيه إللى جابك النهاردة؟ طلبتى تشوفينى ليه؟
- شيخ سلام الموضوع زاد أوى
- أي موضوع فيهم؟ إنتى مواضيعك كتير
- أسخموت!
- ماله أسخموت؟ ما أنتم مبسوطين مع بعض.. ويبتسم في خبث
- كلامك صحيح بس جوزى المنيل بقى يتكلم كتير الأيام دى ويهبل
- إزاى الكلام ده يا أم إحسان؟ قال إيه ؟
- قاللى إمبارح إن أسخموت عشيقى
- يضحك الرجل بصوت مجلجا يهز أركان الغرفة القذرة ولايتوقف إلا عندما تبدا الطفلة بالصراخ المتواصل تنظر سنية إلى ابنتها متعجبة
- – مالك يا بت؟
- يلاحقها الرجل بسرعة
- سيبها يا سنية أنا عارف هي بتصرخ ليه!
- مش تفطمنى يا شيخ سلام
- مالكيش دعوة إنتى.. دى حاجه بينى وبين إحسان ويشير إلى الطفلة
- تعالى يا بت
- تهبط الطفلة من فوق فخذ الأم متجهة إلى الرجل وتجلس بجواره فيميل نحوها ويهمس بألفاظ مبهمة فتهز الطفلة رأسها موافقة ليعاود الرجل الحديث
- خلاص يا سنية روحى لجوزك أبو لسان طويل.. ويضحك
- خلاص إيه يا شيخ سلام ! أنا عايزه..
- يقاطعها الرجل بلهجة آمرة
- – ياللا من هنا إنتى وبنتك واللى جاي وراكى علشان يطمن على مستقبله ويستمر في الضحك
- تقاطعه المرأة
- شيخ سلام أسخموت عايز يترقى من عفريت لمارد
- وبعدين
- هو ماكفاهوش إنه إتحول من جنى عادى ولا له قيمة لعفريت بعد ماشرب من دم إحسان بنتى
- يهب الرجل واقف وهو يصرخ
- إخرسى يا سنية مش ده كان إتفاقكم ولا نسيتى
- مانسيتش يا شيخ سلام بس أنا مش عايزاه يشرب من دم البت تانى
- ليه يا ختى بنتك زوهرية ودمها مطلوب لكل فصايل الجان وإنت عارفه كويس أوى إللى بتكسبيه من إسخموت وخدتى خلاص تمن الدم بتاع بنتك
ترتعش المرأة وقد تذكرت ماحدث منذ سنوات ثم تهم سنية بالوقوف وتلتفت إلى الرجل لمرة أخيرة
- طيب وجمال جوزى حنعمل له إيه؟
- حاجه بسيطة أنا قلت لإحسان وهى حتتصرف
- إحسان؟! بس دى لسه بت صغيره على الكلام ده
- إطمنى البت مش ضعيفة وفاهمة كل حاجة كويس.. ياللا إمشى إنتى وبنتك
تخرج المرأة والطفلة التي تنظر بحدة نحو الفراغ وتهمهم بشفتيها بكلمات غامضة..
يحل الليل الحزين على البلدة ليضيف هموما بلا عدد على البيت الساكن.. طفلة تحمل سكينا وتتجه إلى غرفة أبيها وتغلق البااب من خلفها.. تمر دقائق معدودة وينفتح الباب ببطء.. تبدو السكين مكسوة بلون أحمر قانٍ تقطر دما تستقبلها أمها بزغاريد لا تنقطع.. تشير إحسان إلى الحائط الذى يمتلئ باللهب ودخان كثيف ليبدو من ورائه أسخموت الذى يتجه نحو سنية وهو يصرخ
- سنية !كده أنا خلاص ح أبقى مارد
- مبروك علينا كلنا يا حبيبى
- بقى لى بس خطوة واحدة
- إيه يا عنيى؟ هو دم جوزى ماكانش كفاية
- لا يا سنية لازم دم زوهرى
- إنت شربت من دم إحسان قبل كده ومش حتستحمل مرة ثانية
- ماليش دعوة بإحسان يا سنية أنا عايز أختها نادية الصغيرة
- لا.. نادية لا.. لا سيبها في حالها دى لسه ماكملتش سنه دى لسه بترضع
- عز الطلب يا سنية ياللا تعالى شوفيها واحضنيها لآخر مرة
- آخر مرة يعنى أيه؟ مش إنت تشرب من دمها وتسيبها
- لا ياحلوة أ نا ح أبقى مارد المرة دى ومحتاج دمها كله
تسرع المرأة إلى غرفة الرضيعة بسرعة إلا أن أسخموت يسبقها ويغلق الباب بعنف تطلق الطفلة صرخات ضعيفة بينما تدق المرأة على الباب في يأس حتى تنهار على أرضية الصالة بينما تتصاعد ضحكات المارد الجديد!