توبة مزيفة

توبة مزيفة

هيام علي الجاويش

اللوحة: الفنانة المجرية إلكا غيدو 

صديقي: سأكمل لك اليوم قصة ذلك التقي النقي التي بدأتها معك في المرة السابقة، فقد توقفت بك عند كونه لم يعد يذهب إلى أي مكان له علاقة بماضيه، وغير شكله ولباسه، واتخذ لنفسه اسما جديدا يظفي عليه هيبة ووقارا.

ذات يوم ذهب إلى عائلة ميسورة، كان قد علم بخطب ما ألمّ بها، وعلم أن السيدة قد نذرت مبلغا كبيرا من المال، وتبحث عمّن يحمل هذه الأمانة ليوزعها بما يرضي الله، وتلك السيدة، لا تدخل في التفاصيل ولا تسأل عن شيء, وأيضاً متّكلة لا متوكلة، وقدريّة لا تفكر أبداً، كانت مقتنعة أن كل شيء من عند الله, وكل ما يحدث هو قضاء الله وقدره وهذا النوع من الناس, سهل اصطياده, فمن اللحظة التي وطأة بها قدمه داخل الباب،قال: قلبك كبير ورزقك واسع, صاحبة خير كثير، لكن حظك قليل،أرى حزن في عينيك, وأظن أن همّك لا تحمله الجبال لكنك تحملينه بقوتك وبقوة إيمانك وبتأييد الله، لكن لا تحزني أرى أن همّك إلى زوال بأذن الواحد الأحد. وتابع بعد أن استقرت به الجلسة قائلاً: (من يرى مصيبة غيره, تهون عليه مصيبته). احمدي الله يا بنتي فكيف لو كنت مكان ذلك المسكين وصمت، ثم تابع، لقد قدمت من عنده للتو لقد كان معي مبلغ من المال دسسته تحت وسادته، يصمت ويتابع: لا أدعي أن المال من عندي, لا, لا المال مال الله ويذهب لعبد الله، لقد تبّرع به الأجواد لكنّه لا يكفي, والمسكين ليس له أحد, إلاّ الله, وأهل الخير لذلك أقول لك أحمدي الله، و(تفقيدات الرحمن رحمة ) وهمّك إلى زوال. وتعود وتسأل عن مشكلتها فيعود ليتحدث عن ذلك المرمي في المشفى، وتسال من جديد هل ستظهر براءة زوجها؟ فيعود هو لذلك المسكين وأخيه المرمي في السجن ظلماً، وتتلهف لمعرفة إن كان تحليل ولدها سليم؟ فيذكرها بالتحاليل غير السليمة لذلك المسكين, والذي ينفق على معالجة نفسه من التبرعات. 

وهنا فطنت وفرحت وظفرت، ها قد وجدت الأمين الذي سيأخذ مال نذرها ويوصله إلى حيث يجب أن يصل، وتململ بجلبابه الأبيض النقي بقلب يفوقه نقاء، وبصوته الذي يفيض بالتقوى وقبل أن يشرع بالدعاء المعتاد والذي حفظه عن ظهر قلب، قُرع الباب، هرعت الصغيرة وفتحت، دخلت امرأة مسنّة, كان يبدو من سلامها على هذا الزائر المميز ومن تعابير وجهها أنها تعرفه، وبما أنه أنجز ما كان قد قدم من أجله, آثر الاستئذان من صاحبة البيت، وخرج مصطحباً سجادة صلاته. فعاجلته العجوز سائلة: (لوين يا شيخ)؟ ردّ باقتضاب، إلى الجامع.

دخلت صاحبة البيت إلى المضافة وبيدها زجاجة من ماء وأخرى من الزيت من أجل (الرقية)، سلّمت على أمها وسألتها: أين ذهب شيخنا؟ فهاجت تلك العجوز وماجت، والتي بدت لأول مرة في نظر ابنتها عجوزاً شمطاء، لكن بالرغم من تطاول أمها, صممت واحترمت انفعالها وغضبها، وقالت بهدوء بالغ: لكن يا أمي كنت دائماً تقولين أنه هناك أشخاص لديهم كرامات وأن الله وحده يعلم ما في الصدور، فهدأت العجوز ولانت قليلاً, فكان في كلام ابنتها أثر وشيء رخيم ونوع من السحر، وكثيرة هي المرات التي كانت تهدأ عند النظر إلى ابنتها، وكانت تراقبها لساعات إن كانت نائمة أو كانت صاحية، وعندما كانت صغيرة وحتى عندما كبرت وكذلك عندما تزوجت وأيضاً عندما أنجبت، ورغم تحوّل اتجاه المراقبة من قبلة ابنتها إلى قبلة أولاد ابنتها، إلاّ أنها كانت دائماً تحنّ للنظر إلى قبلتها الأولى. وهذا أمرٌ تراه عادياً, فهي وحيدتها حيث لا أب ولا أم لا زوج ولا أقارب، أيّ لا أحد إلاّ هذه الأبنة وأولادها، فقد قطعت علاقتها مع أهلها ومات زوجها تاركاً صغيرة في السادسة من العمر، ولا تفاصيل عند البنت غير أمها الصبية وأبوها الكهل والذي غادرها مبكراً. هدأت و ردّت بعناد وتصميم قائلة: نعم، الله وحده يعلم ما في الصدور, ولكننا نحن أيضاً نعلم ما في صدور هؤلاء الرجال على الأقل بعضهم أو على الأقل هذا.

سألت الابنة أمها إن كانت تعرف هذا الشيخ؟ فأجابت الأم بحركة من رأسها دلالة النفي، ابتسمت الابنة مفكّرة، إذاً لابد أن أمها قد علمت من الصغيرة قيمة المبلغ الكبير الذي أخذه ذلك الجليل، وهو الشيء الذي أغضبها. لكن بالوقت نفسه هي لا تعلم أن قسما كبيرا من هذا المبلغ ذهب لمريض، والقسم الآخر سيوزع على فقراء وأيتام، ولا تعلم أن هذا الشيخ رفض رفضاً قاطعاً أن يلمس المال طالباً من الصغيرة لف المبلغ بمنديل وأن تدسه في جيبه، وهو يردد ويقول لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، ويدعو الله أن يوفقه بإيصال الأمانات إلى من يستحقها، وعدا عن ذلك فإن أمها لا تعرف مدى ما استطاع أن يفعله هذا الشيخ لها في مرات سابقة, ولا تعرف مدى قدرته وإيمانه وتقواه، لكن الأم عندما رأت هدوء ابنتها عادت لتتطاول على هذا الشيخ، والذي لا يعلم مدى اقتناع الابنة به إلاّ الله. وعندما بدأت الأم بالشتم حاولت الابنة منعها، وعندما لم تفلح فضلت الدخول إلى الداخل كي لا تسمع ولكي تنهي عملها, وبقيت الجدة مع الحفيدة. سألت الصغيرة: لماذا تكرهينه؟ هل أخذ منك شيئاً؟ فرّدت العجوز باشمئزاز: لا لم يأخذ شيئاً وأنا لا أكرهه، ولكن كلهم منافقون. تعالي يا حبيبتي لأحكي لك حكاية.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.