في بلاد الإنكليز.. فيل أبيض عظيم!

في بلاد الإنكليز.. فيل أبيض عظيم!

 د. فخري أحمد شهاب

اللوحة: الفنان الفرنسي جورج لويس لوكلير

كانت زيارتي الأولى لبريطانيا فور انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ وكانت بريطانيا يومئذ مثخنة بالجراح: فالعاصمة، لندن، كانت مشوهة ببقايا القصف الجوي الذي قاست منه خلال الحرب، وكان اقتصادها مهلهلا، والجحافل المسرحة بعد الحرب عاطلة تبحث عن عمل، وكان الغذاء واللباس والوقود والمواصلات وكثير من ضرورات الحياة لا تفي بحاجات الشعب، فكان “نظام التموين” على أشده؛ وزاد الوضعَ سوءاً موجةُ برد وأمطار لم تشهد بريطانيا أسوأ منها في القرن العشرين. 

وصلتُ وسط هذه الفوضى، فكانت زيارة حافلة بالمشقات: كانت اللغة، والطعام، والعادات، وقواعد السلوك، ومؤسسات المجتمع، والقوانين السائدة فيه، بل حتى نظام السير، مختلفة عما ألفت اختلافا عظيما؛ فتضافرت الغربة والفقر والوحدة واختلاف اللغة والجو، وقلقي على أفراد أسرتي وفراقهم وفراق أصدقائي، وخوفي مما سيفاجئني به المستقبل، لتكون مصادر عذاب نفسي أليم يقصر الوصف عنه.

في هذه الظلمات التي وجدتني فيها استرعت نظري الإعلانات التي كانت تغطي جدران العاصمة، وكان من بينها إعلان ما زلت أذكره بوضوح. كنت أتأمله وأقرأ كلماته، وأفهمها مفردة، ولا أدرك مغزاها جملة! كان إعلانا كبيرا ألصق على جدران محطات قطار السكة الحديد تحت الأرض. كانت خلفية الاعلان زرقاء تملأها صورة فيل أبيض هائل الحجم، رفع خرطومه الى السماء، يحمل على أقصى ذنَبِه رقعةً بنّيةً فاتحةً عليها كلمتان: (FOR SALE) – ” للبيع” كتبت بأحرف ضخمة بيضاء تليها في سطر تحتها بحروف أصغر عبارة تقول: “لا تشتره ما لم تَحْتَجْه. اشتر سندات التوفير الوطني” 

 DON’T BUY IT IF YOU DON’T NEED IT. Buy National Savings Certificates.     

وملخص الأمر (لمن كان خالي الذهن عن الموضوع)، أن الحكومة البريطانية كانت تهيب بالناس ألا ينفقوا دخولهم على ما ليس ضروريا، وأن يضعوا ما تبقى منها في سندات الادخار الوطني. بعبارة أخرى الحكومة البريطانية كانت توصي الشعب بالاقتصاد في النفقة اتقاءً لغائلة الغلاء، وتنصحه بالادخار لتصحيح سير الاقتصاد الوطني – أي على النقيض تماما مما تفعله بعض الحكومات واقتصاديوها الذين تذكرني سياستهم المالية ببيت قيل في مدح أحد أفراد آل البيت – وهو:   

ما قال لا إلا في تشهّده

لولا التشهدُ كانت لاءَ ه نَعَمُ! 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.