والتقينا

والتقينا

د. محمد جابر لطفي

اللوحة: الفنانة المصرية نهال عصام

قدمان تخطوان على مهل.. ها هو باب العمارة غير مرحب بمقدمي يكاد يخفى مكان السلم لكنى نظرت إليه غبر مبالٍ وصعدت درجات قليلة إلى أن وجدت نفسي أمام باب مفتوح اجتزته في صمت لأجد امرأة تجلس على كرسي أمامها منضدة مغطاة بمفرش أبيض تخط على كراسة سطورا لا أستطيع أن أقرأها ثم نظرت إلى بغرابة:

– أي خدمة يا أستاذ؟

– عايز أقابل الدكتورة!

– ليه؟ حضرتك مراتك مريضة كانت بتيجي العيادة؟

– لا!

– لا..أمال حضرتك جاى ليه؟

تصنعت الابتسام: قلت لك قبل كده عايز أقابل الدكتورة.. من فضلك بلغيها إن د. حسين كردى عايز يكلمك في موضوع!

– د.حسين! أهلا وسهلا يادكتور إتفضل!

– شكرا يا آنسة!

– آنسة! كلك ذوق يا دكتور، أنا متجوزة ومخلفة خمس عيال في عين العدو!

– صراحة ولا باين عليك.

يحمر وجه الممرضة وتنظر إلى الأرض:

– الله يخليك يادكتور، إتفضل إستريح!

– شكرا يا…. إسم حضرتك إيه؟

– نادية يا دكتور.. فكرنى بإسمك تانى د.حسين إيه؟

– كردى…حسين كردى!

– ايوه! أنا آسفة العيال حيجننونى يادكتور!

– الله يكون في عونك عيل واحد كفاية أو حتى نص عيل!

تضحك نادية وتطرق باب الطبيبة وتدخل بعد أن سمعت نداءها بأن تأتى إلى داخل غرفة الكشف

تمر دقائق قليلة.. أخذت أجول بصرى بين الحوامل اللاتي يجلسن من حولي حتى مللت…نهضت من مكاني وتجولت في الصالة بينما تلاحقني نظرات النساء حتى سمعت من ينادى اسمي:

– د.حسين! د.حسين! إتفضل د.حنان منتظراك!

طَرقتُ باب الطبيبة حتى سمعت من تقول: 

– إتفضل يادكتور حسين!

فتحت الباب وسرت داخل الغرفة وأنا أنظر إلى الأرض، وفجأة رفعت رأسي.. رأيتها.. تقف خلف مكتبها تعلق السماعة على صدرها ولا أدرى هل كانت ترتجف أم أنا من ترتعش أطرافه.. لم أمد يدى إليها لأصافحها كما كنت أفعل كل مرة.

– ماتغيرتش يا حسين!

– ولا إنت كمان يا دكتورة حنان!

– تانى! دكتورة حنان تانى! إنت مازهقتش بعد كل السنين دى من الكلمة دى!

– طبعا دكتورة يا حنان! إنتى مش عارفانى يعنى؟

– مش عارفاك! لا عارفاك! بصراحة أنا لغاية دلوقتى مش عارفاك!

سرى الصمت ثوانٍ حتى بدأتها بالحديث:

– أخبارك إيه؟

– كويسة يا دكتور حسين، كويسة!

– الحمد لله، ثم هبط السكون مرة أخرى وملأ ما بيننا.. نبتت على فمها الجميل ابتسامة كسيحة:

– أقدر أعرف إيه سبب الزيارة يا حسين؟

– ولا حاجة!

– ولاحاجة.. زي زمان!

– أنا مش قصدى!

– والّا قصدك، الكلمة الحقيقية طلعت! 

– حنان!

– أيوه يا حسين!

– أنا بقالى أكثر من تلاتين سنة عايز أزورك!

– ياه..تلاتين سنة! إنت كده ح تكبرني أوى!

– أنا كمان كبرت يا حنان!

– في الشكل بس! لكن قلبك القاسي ولسانك المشلول هُمَ هُمَ!

– شكرا يا حنان على كلامك الرقيق!

– العفو يا دكتور! فيه حاجة تانية؟ علشان بس المرضى اللى منتظرين بره!

– ليه الزباين حيزعلوا لو اتكلمنا كام دقيقة كمان؟

– أيوه يا دكتور، إنت مش عارف الستات.. وتبتسم في قهر: حتعرفهم إزاى؟

– بتقولى إيه يا حنان؟

– مافيش يا حسين!

– شوفى يا حنان إنت عمرك ماسبتى خيالى!

– وبعدين؟

– ولا قبلين! أنا جيت النهاردة أطلعك من مخى!

– شكرا يا دكتور وطلعتنى ولا لسه؟

– لم أنطق بكلمة.. انتظرت حنان ثوانٍ، ثم نهضت فجأة واحمر وجهها غضبا:

– حسين كفاية كده! فضلت منتظراك تقول لى كلمة حلوة! كلمة كانت تخلبنى على استعداد أستناك العمر كله! لكن إنت كنت حجر! يا أخى ده الحجر بيلين ويتكسر وتعمل منه تماثيل!

– حنان!….حنان!

– إستنى! أنا لسه ماخلصتش كلامى! حتى لما حاولت ميت مرة إنى أفتح معاك الموضوع كنت بأحس قلبك ينفتح وبعدين ترجع تركب عليه القفل الملعون كل مرة، أنا تعبت يا حسين.. لغاية ما كملتها وجبت لى عريس! وإنفجرت ضاحكة.. تعرف أنا كنت عايزه أروح لك بيتك وأشتمك في وسط شارعكم!

– ياريت كنت جيتى وعملتيها علشان أفوق!

– يا سلام! أنا البنت إللى آجى؟ وإنت منتظر كلامى علشان تفوق؟ حسين أنا متهيألى كفاية كده

– إنت اتجوزتى يا حنان؟

– وإنت كمان.. كنت عايزنى أفضل منتظراك لما تيجى بعد تلاتين سنة تتعطف علي وتقول لي عايز أطلعك من مخى زى ماقلت من شويه!

– حنان! حنان!

– بس يا حسين! كفايه كده! إتفضل من غير مطرود!

– حنان!

– د.حنان من فضلك! أنا ست متجوزة وعندي تلات أولاد وبنت!

تبسمتُ في خبث وقلت:

– أنا سمعت إن عندك ولد مونجول!

– أيوه! عندى إبن شاب مونجول! مونجول! مش كفايه عذابى معاك سنين! لا يبقى معايا عذاب تانى في البيت كمان!

– مش عارف أقول لك إيه؟

– ولا حاجة! شكرا على وقتك اللي وفرته علشان تزورنى!

– العفو يا دكتورة أستأذن أنا!

– حسين! بصراحة كده إنت جيت النهاردة ليه؟

– قلت لك قبل كده جيت ارميكى من دماغى!

– ورميتنى خلاص؟

– خلاص!

– فيه حاجه تاني؟

نظرت إليها وأنا أبتسم، تركتها ولم أنطق بكلمة، وأغلقت الباب، ثم سمعت أصواتا أتت من خلف الباب وكأن أشياء تلقى على الأرض.. نظرت إلى المرضة الجالسة وابتسمت: 

– شوفي الدكتورة حنان! إيه الصوت إللى جاى من الأوضة ده!

أسرعت نادية إلى داخل الغرفة ثم سَمعتُ حنان تصرخ:

– إطلعى بره!.. اخرجى.! روحى مشى كل الستات إللى بره، أنا تعبانة أوى النهاردة!

أغلقت الممرضة حجرة الكشف وجلست تبكى بينما انصرفت النساء واحدة بعد الأخرى يتساءلن: ماذا حدث بينى وبين حنان؟ وجدت نفسي وحيدا في الصالة نظرت إلى الأرض، خرجت من باب الشقة، هبطت درجات لا عدد لها حتى وصلت إلى الشارع.. تنفست بعمق، نظرت إلى شباك العيادة، وجدت حنان تبكي بحرقة، تبسمت، وأدرت وجهي بلا وداع.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.