كشف المستور

كشف المستور

هيام علي الجاويش

اللوحة: الفنان الكندي مارسيل دزاما 

صديقي: أعرف أني أطلت عليك الحكاية، لكننا ياصديقي أشرفنا على النهاية، فقد توقفنا في قصة صديقنا التقي النقي ذاك، عندما بدأت الجدة تروي لحفيدتها الرواية. بدأت العجوز تحكي القصة لحفيدتها بكان يا ماكان، كان في قديم الزمان، وبما أنني وقد علمت أن القصة قصتها, فقد ترددت أن أكتب هذه البداية لأن كان يا مكان تستخدم للحكاية وللخرافة، لكن لا بأس، ألم يستخدم بابلو كويلو مثل هكذا بداية؟ فمن مبررات بابلو كويلو نأخذ مبرراً هذا من جهة، ومبرراً آخر وهو أن الجدة تتوجه بالقصة لطفلة.

استأنست الصغيرة واقتربت حتى كادت أن تجلس في حضن جدّتها، تابعت الجدّة: كان هناك صبّية اسمها.. ونطقت الجدّة بأول اسم خطر في بالها، اسمها أمل، وأمل جميلة أعجبت بشابّ وأحبّته وافتتنت به, وكانت تنظر إليه على أنه حلم بعيد، لقد كانت تراه كلّ شهر تقريباً, عندما كان يأتي إلى بيت أخته المتزوجة في قرية أمل

وبعد زمن ليس بالكبير بات يأتي كلّ اسبوع فتشعر بشعور جميل إذ لابد أنه يأتي من أجلها، كانت أمل تذهب إلى بيت جارتها, فتتعمدّ تلك الجارة أن تترك أمل وأخاها بمفردهما لبعض الوقت بحجة أعمال المنزل، وكانت السعادة تلوح لأمل دون أن تقترب, لذلك كانت صلاتها المعتادة كلّ يوم ودعاؤها أن تقترب هذه السعادة منها أكثر، وكانت دائماً تشعر بالخوف فربما كان اهتمامه مضيعة وقتٍ وتسلية.

في يوم شتوي بعد الغذاء قالت لها أمها: يا أمل أتت جارتنا في الصباح عندما كنت نائمة, ولم تشأ أن أوقظك, لقد طلبت يدك لأخيها, وفي حال الموافقة، يريد أن يتمم الخطبة والزواج فوراً، ستعود أخته بعد ثلاثة أيام, لمعرفة الجواب، وتقول أنه رآك ذات مرّة عندها, فعندما تأتي ماذا نقول لها؟ أجابت أمل باستحياء: إذا وافق أبي فأنا موافقة. وتتذكّر جيداً، أنها أجهشت بالبكاء لمدة ساعتين, وهي غير مصدّقة: زواج بهذه السرعة؟ وتمت طقوس الخطبة والزواج, وسافرت معه إلى قريته وطابت لها الحياة وكانت سعيدة, ولكن وكما في كلّ الأمور فإن سعادتها لم تدم، فانتفضت الصغيرة وسألت: هل مات؟ فأجابتها باشمئزاز: لا, لا لم يمت هو كالخنزير، فتحت الصغيرة عينيها على وسعهما، لكنّها لم تسأل عن شيء.

تابعت الجدّة: لقد تعرضا لحادث هي وهو، حيث انفجرت عجلة الدراجة الألية التي كانا يركبانها أثناء ذهابهما لزيارة أصدقاء لهما, هي كسرت يدها أما هو فأصيب برضوض في كلّ جسمه وفُجَ رأسه وكُسرت رجله, وليتها رقبته، فانتبهت الصغيرة وقالت باستغراب: رقبته؟ لكن العجوز لم تعلق، وتابعت: فما كان من أهل أمل إلاّ الموافقة على إرسال أختها والتي كانت تصغرها بعام, إلى بيت أمل من أجل أن تعتني بأمل وزوجها، وهكذا مرّ شهر وتحسّنت أمل, ومرّت أشهر لكنّ الزوج لم يتحسن، واختها تعمل وتعمل وتتفانى بخدمتهما, ولم تتأفف أو تتذمّر, وكم كانت أمل ممتنّة لأختها ولأهلها, وخصوصاً عندما تكون متعبة، أو عندما تكون خارج المنزل, فتجد في أختها المنقذ الحقيقي, فلولا وجود أختها ما كان لها أن تستطيع مغادرة المنزل لقضاء أية حاجة، أما بوجود أختها فهي مطمئنّة على زوجها من حيث الطعام والدواء والتسلية والمؤانسة.

مال رأس الصغيرة على كتف جدّتها وغفت، لكن الجدّة ومع علمها بأنّ الصغيرة قد نامت، فقد تابعت حديثها مكملّة، نعم يا جدّتي لقد كانت أمل مطمئنّة على زوجها وعلى أختها, فأختها طيبة وحنّونة, والزوج يحبّ زوجته ويحترم أختها التي تتفانى في خدمته، ولكن مع مرور الوقت لاحظت بعض الحركات الطفولية لأختها، ومشاطرة الزوج مزاح غير لائق، فصدّقت نفسها وكذّبت، ثم كذّبت وصدّقت، فصّدقت ثم كذّبت، فأختها كأخته وهو كأخيها فهل ستسمح لنفسها التفكير بغير ذلك؟ وغير ذلك يكون إفك وحرام, وما تراه يكاد يكون شيئا طبيعيا، هذا هو الذي تظنه وتكاد أن تكون متأكدة منه، لكنها كانت وجلة ومستنفرة طوال الوقت.

ذات يوم تعمّدت أن تترك محفظة النقود قبل ذهابها إلى المدينة لشراء بعض الحاجيات, وكانت قد كتبت على ورقةٍ قائمة بكلّ ما طلبته أختها وما طلبه الزوج، وأضافت حاجات كثيرة لها وللبيت, حتى يعتقد من يسمع تعداد هذه القائمة أنها تحتاج ليومين لشرائها، نعم تعمدت أن تنسى محفظتها, لكنها لم تنسى مفتاح البيت، مرّ عليها ساعة أو أكثر خارج البيت والله وحده يعلم كم مرّ؟ وكيف مرّ؟ كانت تكذّب وتصدّق, لكن قواها خارت من مجرد التفكير شُدّت أعصابها وقدميها لم تعودا تقويان على حملها, كانت تلقي باللوم على نفسها، لأنها فكّرت بهذا الاتجاه وهذا المنطق, فقد فتحت باباً للشيطان، لكن الآن وبعد الذي حدث، فلا بد لها أن تقطع الشكّ باليقين، وخاصة بعد أن عكّر الشكّ ذهنها وأتعب قلبها، فعليها أن تعيد الصفاء إلى ذهنها بأيّة وسيلةٍ كانت وتريح قلبها التعب، عادت إلى البيت مردّدة في ذهنها كافّة الاحتمالات سأقول: خرجت بسرعة ونسيت المحفظة، أو أقول: لو كان معي نقود لن أقطع هذه المسافة لأخذها، أو أقول بعصبية: لا يوجد تغطية والأرضي مشغول، فلو استطعت الاتصال لكان أحدكم وافاني بالمحفظة, دون أن أقطع هذه المسافة, و.. و..  

وصلت إلى المدخل، وتمّنت أن تكون محفظتها معها, إذاً لكانت قَفَلتْ عائدة، وصلت إلى الرصيف ولم تتعمّد إخفاء وقع خطواتها وصلت عند الباب, كانت تسمع دقات قلبها كوقع حوافر الخيل في السباق، ومدّت المفتاح بيدين مرتجفتين وأيضاً لم تتعمّد كتم صوت حركته في الباب، فكيف سيكون الأمر لو فتحت الباب خلسة ودخلت خلسة وفاجأها على طبيعتها؟ عندها ماذا تقول؟ وبماذا تبرر؟ فتحت الباب، دخلت، لا أحد في المضافة, اجتازت الممر المؤدي إلى الغرف الأخرى، لكن لا أحد في أيّة منها, ثم ولجت إلى المطبخ لعلهما يعدان طعام الإفطار مع علمها بأنهما فطرا معها قبل خروجها من المنزل، لكن لا أحد، اقتربت من غرفة نومها, واشتمت وسمعت, لكنّها لم تجرؤ على دفع الباب وفتحه, لمعرفتها بأنه سيُفتح فوراً, فقد أضاعوا مفتاحه منذ وقتٍ، وقفلت عائدة, الأرض تهتز تحت أقدامها, فتستند على الجدران كي لا تقع، وخرجت لا كما دخلت, لقد خرجت خلسة لأنها خجلت أن يعلما أنها عَلِمَتْ، سحبت محفظتها وخرجت, لا إلى السوق ولكن لحضن أمها، وبين ارتجافها وبكائها وكلامها, وصلت الحقيقة إلى الأم التي حاولت أن تهدئها وأن تلغي مخاوفها، وبالرغم من كلّ شيء اشترت الأم بعض الحاجيات لأبنتها وقالت: اذهبي إلى بيتك وتصرفي كأن لم يحدث شيئاً، فالمصيبة مترافقة مع فضيحة وطي الموضوع أفضل من نشره، حتى ولو كان حقيقة. 

عادت أمل إلى بيتها ووجدت كلّ شيء على أفضل حال زوجها يتابع التلفاز واختها تعد الطعام، دخلت إلى الداخل وسلّمت بإشارة من يدها دون كلام فتبعاها لمعرفة ما بها فأجابت دون أن تنظر في وجه أيّ منهما بأنها تعبت كثيراً لتأمين بعض الأغراض وتريد أن تنام لترتاح قليلاً. ومن تلك اللحظة تغيّرت حياتها كما تغيّر سلوكها، ولم تعد تشاركهما في أيّ طعام أو شراب أو في أي حديث, كانت تجلس منزوية قليلة الكلام, تشعر بالقرف والاشمئزاز، وكما تشعر بأنّها غريبة في بيتها وضيفة غير مُرّحب بها.

ثلاثة أيام، وقدم والداها, ومن الواضح على أبيها أنه كان ملما بالوضع، سلّمّا سلاماً بارداً، دخلت الأم وسحبت ابنتها الصغرى إلى الداخل, وأبلغتها بالذي سمعته، مضيفة بأن الناس يتكلمون بشتى الألوان، فما كان من ابنتها إلاّ أن تكلمت، لكن الأم بعد أن سمعت من صغيرتها الشاكية الباكية النادمة, موّضحة حدوث أشياء أخرى.. خرجت الأم كمن تلقى صفعة وطلبت من الكبرى مرافقتها مع أبيها إلى البيت. 

وهنا صممت العجوز، فتدخلت ابنتها التي كانت قد اندست دون أن يراها أحد لتستمع إلى الحكاية سائلة: وبعد، ما الذي حدث يا أمي؟ نظرت العجوز بانكسار قائلة: كانت أمل تعلم بأن زوجها مريض وأختها تعتني به, وقد علمت أن زوجها عاشر أختها، لكن من أين لها أن تعلم أن مرضه الطويل كان مراوغة؟ ومن أين لها أن تعلم بأن الجنين تكوّر في بطن أختها قبل أن يتكور في بطنها هي؟ ثم تابعت، أهل أمل طلّقوها من زوجها وزوجوه تلك الكلبة, وتركوا قريتهم وذهبوا إلى مكان لا يعرفهم فيها أحد، وهناك تزوجت أمل من رجل طاعن في السن لأنها على حد تعبير أهلها، (المسكينة ترملت وهي صغيرة) وما لبثت أن غادرت مع زوجها إلى مكان آخر حيث لا معارف على الإطلاق, أنجبت أمل بنتا وولدا، توفي الولد، وبعده بسنوات قليلة توفي الكهل، وكبرت البنت وتزوجت وأصبح لها أولاد وبيتٌ تستقبل فيه ذلك الأفاق وتعطيه الزكاة.

ومن العبارة الأخيرة، تيّقنت أنها هي ابنة صاحبة الحكاية، وأن الشيخ الأفاق هو الصاحب الآخر للحكاية، وسألت: لكن يا أمي لماذا حلّ الأبوين المشكلة على هذه الصورة؟ ردّت الأم: لم يأخذا رأيي, لكن على حد قولهم بزواجه منها نداري الفضيحة، ولا يمكن أن يتزوجها إلاّ إذا طلقني، وبهذا أعاقب أنا على ما اقترفا من زنى وخيانة، لكن، هل يجوز لنا أن نسمي ذلك زنى؟ لا, لا إن زنى المحارم أشدّ فحشاً وكفراً، وأسأل: من يعيد حق تلك المرأة ومن يسحب غصتها؟ ها هي تعيش مع ذاكرتها المتعبة بين حيطان النسيان، وهو يتنقّل من بيت إلى بيت ويُستقبل بحفاوة ويتلّقى الضيافة والاحترام والزكاة والتبريكات والتبجيلات وكأنه حكيم وشريف وصادق ومؤمن وصبور وشكور، ولا بد أن لديه من النساء ما يزيد, ومن الأولاد والأموال ما يفيض. 

وأسأل: من يأخذ حق العامة من ذلك الدّجال الذي يعمي بصيرتهم بكذبه ونفاقه؟ والذي يجد عندهم زريبة فيها مرتعاً ومعلفاً، حيث لا يوجد مربطاً، ومن يأخذ الحقّ للحقّ؟ ألا يجب أن ينال كلّ شخص نتيجة عمله؟ أم أن الحياة أصبحت هكذا بكلِّ وضوح للشطّار، الذين يبدعون التلاعب والعزف على كلّ الأوتار، شيخ جليل وتقي ونقي وصاحب فضلٍ في النهار، وفي أول الليل لاعب محترف على طاولة القمار، وفي آخره له مقعد مميز بين نساء البغي والفجّار، للعامة الأشقياء التعب والطاعة وله العزّ والفخار! أريد أن استشهد بقول أحد الثائرين على فجور ونفاق وكِبر الأنسان، وكأنه مدافعاً عن الله: «ما من شيء شاذّ في افتراض أن الخالق قد أرتدّ خطوة أو خطوتين جافلاً بعد أن شكّل الأنسان من التراب, ونفخ نفس الحياة في منخريه, مُسوّياً منه كائناً حيّاًّ، المفاجئ في هذه الحادثة هو عدم شعور آدم بالدهشة»

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.