ريبيكا روث غولد
ترجمة: صالح الرزوق
الصورة: لوحة على جدار الفصل العنصري لفنان الجرافيتي الإنجليزي بانكسي
شكّل شهر شباط/ فبراير 2017 نقطة تحول في تاريخ النشاط الفلسطيني داخل المملكة المتحدة. في هذا الشهر المضطرب، تعرض الفلسطينيون والناشطون المؤيدون لفلسطين لموجة غير مسبوقة من إلغاء حقهم في الاحتجاج ضد الاحتلال. كان شهر شباط/ فبراير 2017 أيضًا بمثابة نقطة تحول في مشاركتي شخصيا بالموضوع الفلسطيني وحرية التعبير. وصلت إلى المملكة المتحدة في صيف عام 2015 لأباشر بالتدريس في جامعة بريستول. وسبق لي أن انتقلت من دمشق إلى برلين، وأخيراً إلى فلسطين وإسرائيل بسبب طبيعة عملي الأكاديمي. ومنذ عام 2010 حتى عام 2011، كنت أتنقل بين فلسطين وإسرائيل عدة مرات في الأسبوع. عشت في بيت لحم في الضفة الغربية، قبالة جدار الفصل العنصري، الذي كنت أسير على طوله في طريقي إلى معهد فان لير حيث كنت زميلة في مرحلة بحوث ما بعد الدكتوراه.
يقع معهد فان لير في موقع مركزي في منطقة الطالبية التاريخية في القدس الغربية. وفي حقبة أخرى، قبل ثلاثة عشر عاماً من قيام دولة إسرائيل عام 1948، ولد في هذا الحي الناقد الأمريكي الفلسطيني إدوارد سعيد. وقد هجر ابن عمه منزل العائلة في عام 1948، بعد سقوطه مباشرة في أيدي جماعة الهاغاناه الصهيونية شبه العسكرية، مما أدى إلى قطع علاقات سعيد بوطنه إلى الأبد. والآن، بعد مرور عدة عقود، لعب معهد فان لير دورًا محوريًا في المناقشات حول تعريف معاداة السامية. وفي عام 2020، كان بمثابة مكان افتراضي وحقيقي لصياغة إعلان القدس بشأن معاداة السامية (JDA) واستضاف العديد من الأحداث لدعم نشره.
على الرغم من أن معهد فان لير يقع على بعد بضعة كيلومترات فقط من مكان إقامتي، إلا أن الرحلة من بيت لحم استغرقت عدة ساعات. في كل صباح، عندما كان عليّ أن أسافر إلى القدس، كنت أنتظر في طابور مع العمال الفلسطينيين المضطربين والمحرومين من النوم عند نقطة التفتيش رقم 300 سيئة السمعة. وأثناء وقوفي في الطابور، كنت ألاحظ في كثير من الأحيان المعاملة التفضيلية التي لقيتها من الإسرائيليين كأجنبية. كان جنود من جيش الدفاع الإسرائيلي يحرسون نقطة التفتيش. وكان من المستحيل تجاهل التناقض بين معاملتهم لي ومعاملة السكان الأصليين الفلسطينيين. سمح لي الجنود الإسرائيليون ولغيري من حاملي جوازات السفر الأجنبية بالمرور بسرعة عبر أجهزة الكشف عن المعادن التي كان العمال الفلسطينيون يقفون خلفها لساعات متواصلة، مما يؤدي إلى تأخرهم عن العمل وخسارة دخلهم الضروري لحياتهم.
وكانت المعايير المزدوجة واضحة في كل مكان. كانت الحواجز المعدنية التي ننتظر خلفها تفصل الأجانب في طابور والفلسطينيين بطابور آخر. ويتلقى كل طابور معاملة مختلفة. خلال ساعات معينة، يمكن للأجانب فقط الوقوف في الطابور. وليس من الصعب تخمين أي طابور يتطلب وقت انتظار أطول.
نادراً ما رأيت التمييز بهذا الشكل الصارخ. وقد استحضرت هذه المشاهد في بعض الأبيات الشعرية التي كتبتها في ذلك الوقت:
عمال يستقبلون الفجر
خلف قضبان حاجز 300،
ينتظرون بناء منازل للمستوطنين
بالحجر الجيري المسروق.
أطلقت على هذه القصيدة اسم «الحجر الجيري المسروق»، في إشارة إلى الواجهات المرمرية للعديد من المباني التي كانت تتلألأ عبر تلال بيت لحم وبلدة بيت غالا المجاورة وأنا في طريقي إلى القدس. وقد تم تشييد هذه المباني من قبل عمال فلسطينيين يتقاضون أجوراً زهيدة، وكان عليهم الوقوف في طوابير لساعات عند نقاط التفتيش للوصول إلى الحافلات التي تقلهم إلى العمل. «الحجر الجيري المسروق» يفسر سبب نفوري من نظام الفصل العنصري الذي تطور أثناء إقامتي في بيت لحم، والذي أصبح أكثر رسوخًا في السنوات التي تلت مغادرتي.
كنت أحصل على راتبي من منحة زمالة أنشأها فاعل خير إسرائيلي. وبقبولي للزمالة، كنت قد انتهكت مقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية التي شارك فيها العديد من أصدقائي وزملائي. وقبل ذلك ناقشت هذا القرار مع الأصدقاء، هل هو أخلاقي أم لا. ولكن أردت أن أرى فلسطين – وأن أعيش فيها – على أرض الواقع. والحصول على زمالة لمدة خمس سنوات في القدس سيمنحني فرصة الحياة في فلسطين، وتحديدًا في مدينة بيت لحم القريبة من الضفة الغربية، على بعد بضعة كيلومترات فقط.
كانت إحدى صديقاتي المقربات قد عادت مؤخرًا من بيت لحم، ورتبت لي شقة يمكنني الإقامة فيها. ورأيت أن فرصة الحياة في فلسطين لفترة محسوسة ستغير ظروف حياتي. وكنت أقف مع قرار مقاطعة الاحتلال، لكنني شعرت أيضًا أنه يمكنني المساهمة بشكل أفضل إذا عايشت الاحتلال بشكل مباشر، ولو مؤقتًا.
عندما حصلت على الزمالة، لم يكن لدى معهد فان لير أي فكرة بأنني أخطط لأعيش خارج إسرائيل وفي القدس. وعندما وصلت إلى القدس وأخبرتهم أنني سأقيم في فلسطين، كان الوقت قد فات ليرفضوا طلبي. وخلافا للإسرائيليين، كان مسموحا لي قانونيا بالإقامة في الأراضي المحتلة. وعلى عكس الفلسطينيين، كان بإمكاني دخول القدس دون الحصول على إذن خاص. هذه التنقلات المتكررة عبر نقاط التفتيش المزدحمة والمرور بمنطقتين جغرافيتين مختلفتين جذريًا ومتجاورتين قادتني إلى رؤية الاحتلال بطريقة مختلفة تمامًا. كانت تجربة مباشرة مع الاحتلال وضاعفت من دعمي للمقاطعة وبررته. قبل وصولي إلى فلسطين، كان موقفي يعتمد على معلومات غير مباشرة.
أثناء إقامتي في بيت لحم في صيف عام 2011، انتهى بي الأمر لكتابة مقالة مختلف عليها، عبرت فيها عن إحباطي من كل ما رأيته في إسرائيل أثناء التنقل بين بيت لحم والقدس، وعن مشاعري من جراء الحوار مع الإسرائيليين الذين لم يسبق لهم زيارة الأراضي المحتلة – لأن القانون الإسرائيلي يمنعهم من ذلك – وهكذا رأيت الفقاعة التي يعيش فيها الإسرائيليون، والمستويات اللامتناهية من الحرمان الاقتصادي والبطالة والعنف التي يعيشها الفلسطينيون بسبب السياسات الإسرائيلية المنحازة.
وكنت أعيش على بعد شوارع قليلة من الجدار الذي شيدته إسرائيل بذريعة أمنية، على الرغم من أنه يمر مباشرة عبر الأراضي الفلسطينية. حتى أن هذا الصرح الحجري قسم المنازل إلى قسمين. وتم نصب اللوحات التذكارية فوق الأنقاض.
بعد سنوات قليلة من مغادرتي بيت لحم، سيتم الاحتفال بذكرى هذه الجدران في «فندق دون جدران»، وهو صرح أنشأه في البداية فنان الشارع المقيم في إنجلترا بانكسي كمعرض مؤقت، ليصبح في نهاية المطاف عنصرًا ثابتًا يدل على الاحتلال. لقد شاهدت دوريات جيش الدفاع الإسرائيلي المدججة بالسلاح في الشوارع، وهي ترعب الفلسطينيين. ولم يعد بإمكاني تبرير الحياة في ظل هذا النظام الفاسد والعنصري وتلقي راتبي منه. ورغم أنني شهدت المذابح الحربية بنفسي ــ فقد زرت غروزني بعد فترة وجيزة من تدمير الغارات الجوية الروسية للمدينة في عام 2004 ــ فإن الإهانات اليومية التي يتعرض لها الفلسطينيون في الأراضي المحتلة أصابتني بالغثيان. ولذلك قررت إنهاء زمالتي للحفاظ على توازني الذهني.
خلال هذا الوقت كتبت مقالة قصيرًة بعنوان «ما وراء معاداة السامية». وكنت حانقة على نفسي – ومن آخرين أيضا – لأنني لم أتمكن من وقف الانتهاكات التاريخية التي أدت إلى تطويع وإسكات أصوات الفلسطينيين. وأرسلته إلى مجلة Counterpunchاليسارية المتطرفة. وتلقيت الرد خلال ساعات من الصحفي والمحرر ألكسندر كوكبيرن؛ الذي أعجب بكتابتي وقال إنه سينشر مقالي في النسخة المطبوعة.
عندما أعود بذاكرتي إلى الماضي، أستطيع أن أرى كيف كان عنوان «ما وراء معاداة السامية» يبدو مثيرا للجدل، وخاصة إذا أخرجته من سياقه. وتم اعتبار مقالي مستفزا. ولكن اخترت العنوان كي أنتقد به الاستخدام السياسي لخطاب معاداة السامية الذي يخرس أي نقاش حول احتلال فلسطين. ويمكن القول إنني كتبت عما شاهدته بنفسي أثناء إقامتي في فلسطين وتنقلاتي المنتظمة إلى إسرائيل. لم أكن لأستخدم مثل هذا العنوان لو كنت أعيش في أي مكان في أوروبا، حيث تحولت المواقع التي شهدت أعظم الفظائع في القرن العشرين نصًا دائمًا يحدد مسار اي نقاش حول معاداة السامية اليوم. لكنني لم أكن أكتب من أوروبا، أو في الواقع من أي مكان في المملكة المتحدة. لم تطأ قدمي إنجلترا قط في تلك المرحلة من حياتي. كنت أكتب من فلسطين بعد أن عملت لمدة عام في إسرائيل، وشعرت بالإحباط بسبب تواطئي مع النظام الظالم الذي عشت وعملت فيه. وقد يتساءل المرء ما علاقة معاداة السامية بذلك؟. بشكل غير مباشر، إن لم يكن بشكل صريح، كانت معاداة السامية هي الذريعة للمظالم التي أشهدها كل يوم ضد الفلسطينيين. والخوف من الاتهام بمعاداة السامية يجعل من الصعب التحدث عن الاحتلال علناً، ولهذا السبب يلتزم الصمت الكثير منا رغم أنهم يشهدون التمييز ضد فلسطينيي – إسرائيل وغيرهم على حد سواء. صمتنا تواطؤ. ويؤدي هذا التواطؤ إلى إسكات الفلسطينيين، وإبقاء تجاربهم مخفية عن الرأي العام.
يناقش مقال «ما وراء معاداة السامية» أن التاريخ الطويل لمعاداة السامية والمحرقة يشكل الخلفية التي يتم من خلالها التضحية بحياة الفلسطينيين. لقد اكتشفت هذه الديناميكية المتأصلة في الحياة اليومية للإسرائيليين أثناء تنقلي بين مكتبي في إسرائيل وبيتي الفلسطيني. وذكّرني فقدان الذاكرة الذي يعيشه الإسرائيليون إلى حد كبير بدراستي في الولايات المتحدة. لقد تم قمع موضوع الإبادة الجماعية للأميركيين الأصليين بشكل كامل في مناهجنا المدرسية، وكانت العبودية موضوعًا حساسًا تجنب معلمونا مناقشته بشكل مباشر. إن صدمات التاريخ اليهودي، والخوف من أن هذا التاريخ قد يكرر نفسه ذات يوم، قد أدى بالمثل إلى تشويه الماضي وقمعه.
وقد طاردتْ الذكريات المؤلمة والخوف من تكرارها محادثاتي مع الإسرائيليين. وهذه المخاوف تملأ موجات الأثير في الإذاعة الإسرائيلية وتشكل الذاكرة الثقافية للشعب الإسرائيلي. وتبذل الدولة الإسرائيلية كل ما في وسعها للتركيز على الصدمة التاريخية التي مر بها اليهود. ومع ذلك، كما قال إسحاق دويتشر في عام 1967، لقد “أفرط قادة إسرائيل في استغلال أوشفيتز وتريبلينكا…”.. ولا ينبغي لنا أن نسمح لذكريات معسكر أوشفيتز أن تبتزنا وتحملنا على دعم القضية الخاطئة. كان مقال «ما وراء معاداة السامية» عبارة عن نقاش ضد الصمت القسري الذي فرضته صدمات القرن العشرين، والذي صرف الانتباه بعيداً عن احتلال الأراضي الفلسطينية واستلاب الشعب الفلسطيني. بعد عام من إقامتي على الحدود بين إسرائيل والضفة الغربية، كنت على يقين من أنه لا يوجد أي مبرر لنقاط التفتيش العنصرية ونظام الحافلات الذي يفصل اليهود عن العرب، أو لنظام التصاريح واللوائح الغامضة التي تقيد بشكل كبير وصول الفلسطينيين إلى فرص العمل والحياة لإبقائهم في حالة فقر.
وفي حين أن الضرر الجانبي الذي تسببه هذه الذكريات والمخاوف للفلسطينيين لم تكن مناقشته ممنوعة في الأماكن العامة الإسرائيلية، فقد تم التعامل معه على أنه ثانوي، كفكرة لاحقة للموضوعات الأكثر أهمية في التاريخ اليهودي. وفي الوقت نفسه، أصبحت حجج ومبررات الاحتلال غير قابلة للدفاع عنها على نحو متزايد. وكما أصر دويتشر، فحتى الاعتراف بمعسكر أوشفيتز لا يضفي الشرعية على القمع. كذلك لا أعذر تاريخ اليهود الطويل من معاداة السامية ــ فالفلسطينيون لم يتورطوا به بشكل مباشر، ولكنه رغم ذلك يشكل أفق وجودهم السياسي. ولهذا السبب، كما قلت في عام 2011، نحتاج للانتقال «إلى ما هو أبعد من معاداة السامية».
من بين الفقرات الأكثر إثارة للجدل في المقال النهاية التي تقول “في ظل الوضع الحالي، فإن المحرقة مستمرة وضحاياها الرئيسيون هم الشعب الفلسطيني”. من المسلم به أن هذا ادعاء مبالغ فيه إلى حد ما ولا يصح إلا على المستوى الجدلي. أعتقد أنه يمكن الدفاع عن المسألة بطرق معينة، لكنني الآن أقل اهتمامًا بالجهود البلاغية التي كنت عليها عندما كتبت ذلك المقال. ليست مشكلة خلافية أن نصر على أن للكوارث التاريخية عواقب طويلة الأمد، تمر بعدة أجيال. ولا يوجد فائدة في تحديد من هو أكبر أو أصغر ضحية لحادث ما مضت عليه عقود. والشحنة النقدية في هذه الكلمات التي ذكرها أحد كبار الباحثين في الدراسات اليهودية لا يزال يتردد صداها في أذني. فقد قال: “ليس هناك وجه فضي للمحرقة، ولا توجد طريقة لإضفاء لمسة إيجابية عليها”.
لست متأكدة تمامًا كيف فسر كلماتي لتبدو وكأنها بحث عن طبقة من الفضة، لكنني أتفق مع تفسيره الناقد. إن إبراز المعاناة الفلسطينية في المقدمة لا يجدي نفعاً عندما يبدو أنه يسلط الضوء على الجراح اليهودية. لم تكن هذه نيتي أبداً، ولا أعتقد أن النص يدعم تلك القراءة، لكني أحترم حق القراء في استخلاص استنتاجاتهم الخاصة. لذا أعترف أنني سأكتبها بشكل مختلف الآن، لكنني أتمسك بفصاحة تلك الكلمات في ذلك الزمان والمكان: فلسطين المحتلة وسط صراع وحشي متزايد وعدوان بالوكالة تدعمه الدولة لإسكات المعارضة. إنني أقف إلى جانب الغضب الذي دفعني إلى الدخول في مثل هذه السجالات، وأقف إلى جانب حق الجميع في ذلك، سواء كانوا فلسطينيين أو إسرائيليين أو أميركيين.
هناك نقطة أخرى أثارت قلق بعض القراء وهي استخدامي لكلمة “امتياز” لوصف رواية المحرقة داخل إسرائيل. يستخدم هذا الفعل بكثرة في الخطاب الأكاديمي لوصف كيفية التحقق من صحة أفكار معينة على حساب أفكار أخرى. رأى أحد القراء أن تفضيل الفكرة النمطية المعادية للسامية والتي تلاحق اليهود، يذكرنا بالهولوكوست، وبصيغة فعل (فيما يخص كلمة تفضيل)، وهذا لا يخلو من شبهة معاداة السامية. ولكن كان السياق ضمن عبارة تقول: هذا يبدو لي أمرا بعيدا، نظرًا لأنني كنت أستخدم الفعل بمعناه الأكاديمي التقليدي المتمثل في بناء وجهة نظر على أخرى. لم يكن خيارًا مثاليًا لأسباب جمالية، لكن هذا الفعل الجاف والمجرد ليس له علاقة محددة باليهود.
بعد وقت قصير من إكمال المقال، استقلت من زمالتي وغادرت إسرائيل، على أن لا أعود أبدًا. وبعد أن نفست عن غضبي، لم أعطي هذا المقال الموجز مزيدًا من التفكير. لقد كان نقاشا وليس بحثا في منحة دراسية. وكانت كتابته تعبر عن ذلك الوقت، وعن امتعاضي. ومحاولة لتطهير نفسي من التواطؤ مع الاحتلال، ومن الذنب الذي أشعر به عند عبور نقاط التفتيش في طابور خاص بالأجانب. ومشاهداتي للعنصرية والتمييز ضد السكان الفلسطينيين وأنا أعض على لساني.
بعد أن تخلصت من غضبي، انتقلت إلى أشياء أخرى. لقد حصلت على وظيفة في كلية جديدة للفنون الليبرالية تسمى Yale-NUS. في البداية كان مقرها في حرم جامعة ييل في نيو هيفن، كونيكتيكوت. ثم في جامعة سنغافورة الوطنية. حصلت على زمالة أخرى في جامعة أوروبا الوسطى، التي كانت آنذاك تقع في بودابست. أخيرًا، بعد أربع سنوات من كتابة هذا المقال الموجز، انتقلت إلى المملكة المتحدة لأعمل في جامعة بريستول في جنوب غرب إنجلترا، حيث درست مقررات أساسية في اللغات الحديثة: نظرية الترجمة، سيمنار أطروحات السنة الرابعة، نظرية ما بعد الاستعمار.
بعد عامين في بريستول، تلقيت مكالمة في مكتبي من مديرة الكلية. كانت هذه مناسبة نادرة: في الواقع، لم يتصل بي أحد مباشرة من قبل. طلبت مني مقابلتها في مكتبها في أقرب وقت ممكن. أخبرتني أن أحد الطلاب اكتشف مقالة عام 2011 في الإنترنت، وفي قاعدة بيانات تسمى شبكة أبحاث العلوم الاجتماعية، وكنت قد احتفظت بعملي فيها. من بين مئات المقالات العلمية التي كتبتها، حرك هذا المقال القصير وترا حساسا لدى الطالب المعروف بأنه صهيوني. وأخبرتني المديرة أن الجامعة علمت أن الطالب يخطط لنشر رسالة مجهولة المصدر في الصحيفة الطلابية Epigram، يدين فيها مقالتي – وأنا – ويتهمني بمعاداة السامية. وقد تم إبلاغ إدارة الجامعة بذلك من قبل رئيس تحرير الجريدة. كان موقف الجامعة الأول هو دفن القصة بسرعة بين أخبار أخرى وألا تتناولها وسائل الإعلام الوطنية. وبالعودة إلى عام 2017، كانت الاتهامات بمعاداة السامية لأي خطاب ينتقد إسرائيل لا تزال غير عادية نسبيًا في المملكة المتحدة. ثم أصبحت روتينا منذ ذلك الحين. ومع ذلك، كنا نعمل في منطقة مجهولة.
وأملنا بنهاية المشكلة عاجلا كان في غير محله. بعد بضعة أسابيع، قامت مراسلة في صحيفة ديلي تلغراف، التي اشتهرت بقصص Clickbait التي تتهم العديد من الأكاديميين بمعاداة السامية، بعرض “اكتشاف” الطالب لمقالتي في مقالة عنوانها: “جامعة بريستول تحقق في مزاعم مناهضة السامية بعد ادعاء محاضرة أن اليهود يجب أن يتوقفوا عن “تفضيل” المحرقة”. شيء واحد تعلمته من هذه التجربة هو أنه عندما يتعلق الأمر بالتقارير، فإن العناوين الرئيسية في بعض الأحيان تكون أكثر أهمية من المتن.
كنت جالسة في مكتبي في الجامعة عندما رن الهاتف. سألتني المراسلة كاميلا تورنر عما إذا كان لدي أي تعليق حول «ما وراء معاداة السامية»، والذي كان موضوع رسالة مجهولة المصدر نشرتها الصحيفة الطلابية. طلبت منها أن تمنحني يومًا للرد. لكنها رفضت لأن المقال سيُنشر ذلك المساء. لذلك تحدثت مع نفس الصديقة التي وجدت لي مكانًا لأعيش فيه في بيت لحم. قمنا معًا بتمشيط كتابات إدوارد سعيد، الذي كان لفترة طويلة بمثابة ضوء يقود خطواتي، بحثًا عن كلمات يمكن أن تعبر عما شعرت به ورأيته أثناء إقامتي في فلسطين. كانت محطتي الأولى هي مقالة سعيد الكلاسيكية «الصهيونية من وجهة نظر ضحاياها» (1979). على الرغم من أن الاقتباس الذي قدمته لتيرنر قد تم تشويهه، إلا أن الجزء الأساسي من رسالة سعيد أصبح على الأقل مطبوعًا. كتبت تيرنر: “إنكار مزاعم معاداة السامية، اقتبسته الدكتورة غولد من إدوارد سعيد،”، ثم تابعت نقلاً عن سعيد: “إن معارضة الصهيونية في فلسطين لم تكن تعني أبدًا، ولا الآن، أن تكون معاديًا للسامية”.
ثارت بعد ذلك عاصفة؛ في المقال الذي نشرته صحيفة التلغراف عني، اتهمني النائب المحافظ والمبعوث الخاص المعين حديثًا لقضايا ما بعد المحرقة، إريك بيكلز، بإنكار المحرقة. وذهب إلى حد الزعم بأن مؤلفة مقال «ما وراء معاداة السامية» يجب أن “تأخذ في الاعتبار وظيفتها” في الجامعة، وهذه طريقة بريطانية مهذبة للقول إنني يجب أن أستقيل أو أطرد من العمل. والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أنه وصف مقالتي بأنها “واحدة من أسوأ حالات إنكار المحرقة” التي شهدها في السنوات الأخيرة. وكانت «الحملة ضد معاداة السامية» التي تم إنشاؤها حديثًا أول منظمة تدعو إلى إقالتي، وقد بدأت بالفعل حملتها ضدي قبل ظهور صحيفة التلغراف وربما ساعدت تيرنر في كتابة المقال. انضم نواب يهود بريطانيون معروفون إلى الجوقة. وكتبوا ضدي إلى نائب رئيس الجامعة، مدعين في رسالة أخفتها الجامعة عني لسنوات عديدة، أن آرائي “تتعارض مع دور الأستاذ في جامعة بريطانية مرموقة”، وأصروا على أنني “لا ينبغي أن يستمر في منصبه بعد الآن”.
ومن عجيب المفارقات أنه قبل مائة عام، وفي حقبة مختلفة تماما، كان مجلس النواب نفسه، الذي دعا الآن إلى إقالتي، من بين الموقعين للتعبير عن مخاوفهم من دعم الحكومة البريطانية المتزايد للصهيونية. وفي رسالة مثيرة للجدل إلى التايمز بتاريخ 24 أيار 1917، اعترض مجلس النواب، بالتعاون مع الجمعية الأنجلو يهودية، على “النظرية الصهيونية التي تعتبر جميع الطوائف اليهودية في العالم بمثابة قومية واحدة بلا مأوى، وغير قادرة على التماهي الاجتماعي والسياسي الكامل مع الأمم التي عاشوا فيها. وأعرب الموقعون عن قلقهم بشأن الآثار المترتبة على تصور جميع اليهود كأعضاء “قومية مشردة” واحدة، لأن هذا في حد ذاته قد يخلق “مركزًا سياسيًا ووطنًا متاحًا دائمًا في فلسطين”، واحتجوا “بقوة وجدية” ضد هذه النظرية. كانت تلك الرسالة من عام 1917 بمثابة علامة على نهاية قبول مجلس النواب لمعاداة الصهيونية كموقف شرعي لليهود. بحلول عام 2017، كان مجلس النواب قد تخلص تمامًا من شكوكه السابقة تجاه المشروع الصهيوني واعتنق بكل إخلاص المفهوم القومي للشعب اليهودي، حتى أنه مارس الضغط من أجل إقالة أولئك الذين لم يتفقوا معهم.
وبعد بضعة أسابيع فقط تم الكشف عن هوية الطالب الذي اتهمني بمعاداة السامية، في مقابلة أجراها مع صحيفة هافينغتون بوست. الطريقة التي حول بها نفسه إلى بطل توحي بشيء ما عن دوافعه منذ البداية. قال في المقابلة إنه لا يريد أن يراني مطرودة. وتكهن بأنني صورت إسرائيل بهذه الطريقة السلبية لأنني لم أقابل من قبل يهوديًا صهيونيًا مثله. وأعرب عن رضاه لأنه لعب دورًا في تنويري. لقد عملت في إسرائيل لمدة عام، والمقالة المعنية كتبت أثناء إقامتي في فلسطين، لكن الطالب بدا غافلاً أو غير مبالٍ بهذه التفاصيل. وفي هذا الصدد، كان رد فعله متناسبًا مع رد فعل كل مراقب بريطاني آخر تقريبًا.
وبينما كان الطالب مشغولاً بجذب الأضواء لما اعتبره دفاعاً بطولياً عن الحرية الأكاديمية، لم يسألني أحد عن وجهة نظري حول المسألة. وأظهر المعلقون الإعلاميون القليل من الاهتمام بالتعرف على الفلسطينيين الذين تم إسكاتهم بشدة بسبب حملة القمع ضد المعارضة لإسرائيل. مرارا وتكرارا، طرح علي الصحفيون أسئلة مزدوجة. هل تراجعت أم لم أتراجع عن مقالتي؟ هل قبلت بحق دولة إسرائيل في الوجود؟ هل اعترفت بشرعية الصهيونية؟ أما بالنسبة لأول سؤال فلم يكن لدي ما أتراجع عنه. إن ما شهدته أثناء إقامتي في فلسطين وتنقلاتي في إسرائيل لم يكن وهمًا، ولم تكن كلماتي خيالًا. كان عليّ أن أقف إلى جانبهم.
عن مجلة Jewish Voice for Labor – الخميس 31 آب/ أغسطس 2023

ريبيكا روث غولد أستاذة في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية – جامعة لندن، ومؤلفة العديد من الأعمال منها، محو فلسطين: حرية التعبير والحرية للفلسطينيين (2023)، كتاب ومتمردون (2016)، قصيدة السجن الفارسي (2021)، واشتركت مع ملكة شويخ في كتاب: الإضراب عن الطعام في السجون الفلسطينية (2023).

جدار الفصل العنصري بعدسة الكاتبة