شَبَع سقراط

شَبَع سقراط

اللوحة: الفنان الفلسطيني خالد نصار 

نحن نتذكر كثيرا الأموات، هل نتذكر أيضا الأحياء؟ عادتنا البشرية تتوق لاسترجاع ما فات ومَن رَحَل، نتعامل وكأن الفرصة التي فاتت هي تجربة ساذجة وتحتاج إعادة، نقول بألم: آه لو عاد بي الزمان وقت السذاجة لفعلت كذا وكذا، آه لو عاد بي الزمان وأدركت أبي لأشْبَعته بِرَّا، ولرَجَوته أن يَغْفر لي، آه لو عاد بي الزمان لِما ضِقْت بصديقي ولتحَمَّلته واستوعَبْته.

مازلنا ننظر لما يتساقط من كِيس حياتنا بِحَسْرة وشَجَن، بينما الذي بداخل الكِيس لا ينال سوى الإهمال، ولا يتوقع له الاهتمام إلا بعد السقوط، هذا هو دَيْدَن بني آدم، وهذا هو الفخ الذي يقع فيه بني آدم. مات فلانكان رجلا طيبا خلوقا متدينا، كان يعيش في حالِه، أنجز في حياته عددا من الأبناء والأحفاد، ثم رحل.

هذه سيرة أغلب من سبقنا ومن سيلحقون بهم، والمتوقع أن تكون تلك سيرتنا حين نرحل، نكتشف أن مائدة الحياة الواسعة والثرية لم نتناول منها سِوى نوع واحد من الطعام، وجبة تكريس الحياة لإنتاج أسرة وأحفاد، ونغادر والمائدة كما هي لم تَمسَّها أيدينا ولم تَنْظر إليها أعيُننا، ونغادر المائدة ولم نشعر بمن يجلسون بجوارنا عليها سوى وهم يرحلون، ونترحم عليهم وكأنهم كانوا مُحور حياتنا، ولكنهم كانوا داخل الكيس ينتظرون السقوط، وكانوا بجوارنا على المائدة منشغلون مثلنا بنوع واحد من طعام الوليمة.

أتمنى أنْ يتَغلب أحدُنا على السِحر ويَضرب بيده بقوة على المائدة، ويُلقِّنَهم إرشادات وليمة الحياة ويقول: تناولوا من كل أطايب المائدة ولا تَكْتفوا بنوع واحد، فالحيوانات هي التي تتناول فقط نوعا واحدا، والتفتوا يمينا ويسارا واشْعُروا ببعضكم ولا تُلهِكم المائدة عن بني آدم، كي تغادركم الوحشة والوحدة والغربة، ويزول الشعور بالفشلوالفوت.

يعجبني مصطلح اخترعته من عندي وهو (شبع سقراط)، عندما يتناول المرء وجبة دسمة تملأ معدته وتُرضي شهيته؛ لا بد أن يُغادر المائدة وهو قانع بما نال، وزاهد في المكوث عليها إلى مالا نهاية، وفُرصة الحياة هي مائدة الإنسان في الدنيا، ولكن أندر الناس من يغادرها وهو شبعان! بل على العكس، أكثرنا يُغادر مُرْغما متحسرا مستوحشا، فلماذا لا نشبع من الدنيا؟

أغلبنا ولد في مكان ومُجتمع وبيئة وأفكار الحظيرة، يَندر من يخرج من الحظيرة ليطَّلع على الدنيا التي بها ملايين الحظائر والقصور، لو اطَّلع خارج حظيرته لفَهِمَ ثم عاش حياةً صحيحة ثم شَبع، من يمهر الحياة فيتركها شَبْعانا؟ فقط الصالحون عبر الزمان ومن كافة الأديان، يخْرجون من الحياة في سهولة وترحيب وبدون جَزَع، وهم نادرون.

عندما حُكِم على سقراط بالموت بتناول السم وكانت الفرصة أمامه مضمونة للهرب بمساعدة أصدقائه وبتغافل الحراس عنه، فالحكم عليه كان فقط لإرضاء العامة والجمهور، بينما لم يكن هناك إصرار على إعدامه، ولكنه في موقف تاريخي نادر، يرفض أن يُكتب في التاريخ أنه هَرب من الموت، ثم تناول السم بنفسه في رضا واستسلام، هذا هو الشبع، وهذا هو امتحاننا في الدنيا، أن نشبع من الإيمان والعمل الصالح والفهم والحكمة والخير والجمال، ثم نغادر ونحن راضون عن أنفسنا حين نَتجهز لاستقلال قطار الرحلة التالية.

يقول عبد الوهاب مطاوع: حين تَحين النهاية فإنَّه يَحسن الا نُطيل فيها؛ إذ لا معني للإطالة إلا مضاعفة العناء ومكابدة الحسرة، لأن القطار قد غادر محطته بالفعل وانطلق بأقصى سرعة، ولن يلتفت للمهَرْولين خلفه، وفي الحب والحياة ينبغي أن يتعلم الانسان أنْ يقول وداعا في الوقت المناسب، وأنْ يتذكر دائما أنَّ لكل شيء نهاية، فلا يحاول عرقلة ستار الختام عن أن ينزل في موعده، ولا يُعَرِّض نفسه للهوان بالتشبث بالأستار محاولا تأخير إسدالها.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.