اللوحة: الفنان الفلسطيني توفيق عبد العال
محمد محمود غدية

الطفل
يتأمله وهو يتعثر في تسلق شجر الجميز، ويركض خلف الفراشات التي استطاع أن يفوز بإحداها، حين رآها تتألم في قبضة يده، أطلق سراحها وهو يتأملها حتى غابت عن ناظريه.. غزا البياض شعره، قفزت به السنوات نحو عوالم الدهشة، تتبعه في حسرة ضحكات الطفل الذي يطارد الفراشات، لا هموم لديه ولا شكوى.
الحـــــب
زميلته الجميلة الثرية لامعة العينين، دأبت على مجاورته في قاعة المحاضرات، صارحته بحبها وهو الشاعر الذي يملك من الحس والرقة والرهافة الكثير، والقليل من حشو فم وثمار توت، وقلب يفيض حب لا يموت، حين قرر الابتعاد لوعورة الطريق والمسافات، أعادته بكلمات ترقى إلى الشعر، ما أجملها الزهور التي تنبت في الطين.
اللــــص
لم يجد في الشقة سوي طفلين في عمر الرابعة والسادسة، هدأ اللص من روعهما، وهو يفصل الكهرباء عن التليفزيون لسرقته، استحلفه الطفلان أن يتركه لأنه تسليتهما الوحيدة في غياب والديهما، وأحضرا كل مدخراتهما والتي كانت عبارة عن حصالتين مليئتين بالنقود وأعطياها للص الذي رفضها، بعد أن أعاد الكهرباء للتليفزيون وانصرف خجلا.
المريض
ذهب إلي الطبيب يشكو كحة حادة آلمته، أشار عليه الطبيب بفتح النوافذ والأبواب ليتجدد هواء الغرفة، ويعود ليراه بعد أسبوع وحين انقضى الأسبوع، سأله الطبيب: الكحة راحت؟ أجابه المريض: الكحة راحت والتليفزيون والنقود والمحمول وجميع ما خف حمله.
الخيـــال
دائم التحليق في الخيال، الحياة لديه ورد بلا أشواك، الطرق التي يمشيها ممهدة، كأبسطة من حرير، لا مطبات فيها ولا حفر، ثقته في الآخرين لا حدود لها، موجات متلاحقة غير رحيمة صدمته، وكسرت بداخله أشياء كان يتحمس لها ويذكيها، متأخرا أدرك أنه لابد من الاحتفاظ بمسافة مأمونة بينه وبين الواقع.
القلـــب
أشار عليها الأطباء بضرورة استبدال القلب الذي أوشك على التلف، في نفس المستشفى الذي تتلقى فيه العلاج، طفلة في الرابعة عشرة صدمتها سيارة أثناء عبورها الطريق. أخبر الطبيب والدة الطفلة المتوفاة، أن هناك مريضة توشك على الموت في حاجة إلى قلب ابنتها، لم تتردد الأم في الموافقة، بعد أن رفضت أن تتقاضى أي نقود، فقط السماح لها بين الحين والحين بالاستماع لقلب ابنتها، وهو ينبض بالحياة في جسد آخر.
السعــــادة
تضحك كثيرا حين يسألونها عن سر سعادتها، وفى إجابات مختصرة تقول: ألا تنقل الزوجة أسرار بيتها، كما أنه لابد للزوجة أن تقوم بأدوار متعددة في حياة الزوج، فهي الأم التي ترعى طفولته الكامنة، والأنثى التي توقظ رجولته، والابنة التي تثير فيه مشاعر الأبوة، فالزوج كالطفل يسأم اللعبة الواحدة، ويتحول اهتمامه إلى كل مثير وجديد.
المقهـــى
تتأمل طريقته السلسة في إشعال سجائره، وفى ارتشاف قهوته مأسورة بمن تهوى، صمته موحش مدمر، لا يستشعر وجودها، لم يجذبه عطرها الفواح، هل في حياته امرأة أخرى تتراقص خلف دخان سجائره أو في قاع فنجانه، لا لن تدعه يرحل هذه المرة، تستميل نفسها إلى مغناطيسية الوجع وتحول رداراته نحوها.
الوجــــه
لديه القدرة على تغيير وجهه بإتقان مدهش، يبتسم وينحني حتى تلامس جبهته الأرض، حين يكون لديه موعدا في الوزارة، وجهه يحمل ابتسامة واسعة بحجم الكون التي ما تلبث أن تتحول إلى ابتسامة باهته وفاترة، حين يلقى عوام الناس، تتساقط كل الأوجه أمام المرآة ليتحول آخر الأمر إلى بقايا سيجارة احترقت وسحقتها الأقدام.
الحــكيــم
سألوا الحكيم عن معنى الحب فأجاب: حين تكون شاردا ومهموما ويلقى الحزن غلالته على القلب والروح ولا يمكن أن تتجاوزه أو تهرب منه، ولم تعد في حاجة إلى فهم ما يجرى فأنت تحب.
وعن الصداقة: من أحب إليك الأخ أم الصديق؟ أجاب: أحب أخي إذا كان صديقي.