رؤى في الإبداع

رؤى في الإبداع

اللوحة: الفنان الأميركي ستانتون ماكدونالد رايت

فواز خيّو

صدر كتاب/ كم أنت أنت/ أواسط عام 2018/ وفي تلك الفترة أقيم معرض لبعض الفنانين التشكيليين في مدينة السويداء في صالة/ كل الفن/ شاركت فيه الملهمة، ووجدتها مناسبة لتكريمهم في ختام المعرض عبر أمسية شعرية، وتكريمها بتطويب الكتاب باسمها.

قدمني في الأمسية الصديق الفنان فرزان شرف قائلا: عرفت فواز خيو منذ ثلث قرن تقريبا، كنت واقفا في آخر باص النقل الداخلي المتوجه إلى جرمانا، ولفت انتباهي فجأة شاب جالس جانب الشباك وفي حضنه كومة من الكتب، يفتح كتابا يقرأ لحظة في الصفحة الأولى، ثم يرمي الكتاب من الشباك، وحين وصلنا الى جرمانا كان قد بقي معه كتاب ربما.

سألت رفيقي: من ذلك الشاب؟ قال فواز خيو.

بعد سنوات التقيته وسألته عن الحادثة وسبب رميه للكتب، قال: الحصان الذي ينطلق في السباق ويكون في الخطوات الأولى مترهّلا ويتلعثم بقدميه، كيف سيكون وضعه في منتصف السباق أو آخره؟ وهل يمكن الرهان عليه؟ 

كذلك الكاتب أو الشاعر إذا كان في لحظات الشغف الأولى في قصيدته أو قصته أو روايته باردا وباهتا ولم يشدّك، فكيف حين يبرد شغفه في منتصف القصيدة أو الرواية؟ 

يجب ألا تضيع وقتك في متابعته.

الكاتب الذي لا يبهرك ويفترسك أويشدّك من الأسطر الأولى إرمه وارم كتابه جانبا.

فالبياض عندي مقدس، إما أن تسكب عليه أفكارا بمستوى قداسته أو اتركه وشأنه، ولا تهدره وتلطخه بكلام رديء.

كانت تلك الكتب هدية من المرحوم مدحت عكاش صاحب مجلة (الثقافة).

مدحت عكاش رجل علم وأدب، رجل محترم يحب الشعر ويقال أنه يحفظ 12 ألف بيت، لكنه ليس مبدعا.

أنشأ مجلته في الخمسينات من القرن وظل يصدرها حتى نهاية الألفية حيث توفي.

كبار الشعراء والأدباء نشروا على صفحاتها في بداياتها، مثل عمر أبي ريشة وبدوي الجبل ونديم محمد وغيرهم، وحين احتكرت الدولة المطبوعات وألغت كل الإصدارات الخاصة، أبقوا على مجلة الثقافة، كونها لا تقرب السياسة، وصنفوها نشرة وليس مجلة كي لا يخالفوا قانون المطبوعات الجديد، وترهل مستواها ولم يعد ينشر فيها سوى بعض (العواطلية) الذين لا تنشر لهم الصحف الرسمية ولا دوريات وزارة الثقافة واتحاد الكتاب على علاتها، بسبب رداءة مستواهم الابداعي، فينشرون في (الثقافة) ليشعروا انفسهم انهم لا زالوا على قيد الثقافة.

وقتها اتصل بي المرحوم مدحت عكاش وأثنى على زاويتي في الجريدة، ودعاني لأشرب القهوة عنده، فذهبت لأني فعلا أكن له الاحترام، وأهداني يومها تلك الكتب. 

الابداع والثقافة والمعرفة يقاس بالنوع وليس بالكم، فقد تضع بضعة كتب في مكتبة وتشعر أنك أمام مكتبة ضخمة، لأن تلك الكتب غنية وتحمل عصارة الابداع والفكر، وقد تقف أمام مكتبة ضخمة في الشكل، وحين تستعرض عناوينها تجدها فقيرة.

لهذا كنت أرمي معظم ما يأتيني من كتب، وكان لدي مكتبة عظيمة من رف واحد، عليه بضعة كتب: تقرير الى غريكو/ زوربا/ لكازنتزاكي،/ داغستان بلدي/ لحمزاتوف وشعر لعمر ابي ريشة ودرويش والماغوط، و/ ذاكرة الجسد/ لأحلام مستغانمي , فأنا لدي مكتبة ضخمة. 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.