اللوحة: الفنان الفلسطيني ماهر ناجي
محمد نجيب بوجناح

الطَّغْتَفُوصْ
(طفلة غزّة تبصق في وجه الصهيوني)
جلس الصهيوني خلف رشّاشه وطفق يطلق رصاصاته في اتجاه بُنيّات الملجأ.
واحدة.. أربعون..
لن يَشْبَعَ الصهيوني من بُنيّات البَلَدْ.
ثم أخذ جيروفونَه الأمريكي الصنع وصاح فيهنّ: من تريد منكنّ أن تنجو فلتتقدّم نحو الرشاش راقصةً، فإنْ لم أُصبها نجتْ.
جرت نحوه فتيات الملجأ راقصات.
عشرة.. عشرون.. مائة.. لن يَكُفَّ المَدَدْ..
مُتْنَ جميعاً إلا واحدة لَمَسَتْ أصابعُها الرشّاش وصرخت فيه بحقد الأطفال: يا طَغْتَفُوصْ! وبصقت في وجهه..
فارتاح الجَسَدْ.
عدالة
ارتفعَ ضجيجُ المحتجّين في قاعةِ المحكمةِ عندما صرّحَ القاضي بالحكمِ النِّهائي في قضيْةِ القتلِ المتعمّدِ.
لكنّ القاتلَ ترنّحَ في مكانهِ وقد ارتسمتْ ابتسامة خبيثةٌ على وجههِ.
فهوَ لمْ ينبسَ بكلمةٍ منذُ أن اقدمَ على جريمتهِ الشَّنيعةِ، واكتفى بأنْ همسَ في اليومِ الأخير في أذنِ القاضي ببعضِ الكلماتِ.
قالَ لهُ: إنْ كنتَ عادلِاً فلْتَحْكُمْ عليَّ بما حكمتَ عليهِ عندما قتلَ أبي منذُ عشْرينَ سنة، ولمْ أزلْ في بطنِ أمّي.
فكانَ الحكْمٌ بثلاثِ سنواتِ.
يأسٌ
كَتَبَت الصّبيةُ بالطباشير الأبيضِ على الأرض المتشقّقةِ: لا أحبُّ الحياةٌ هنا..
فاننهار مطرٌ صاخبٌ ليمحوَ الكلماتِ المُرْتبكَة.
أمّا الفتاةُ الصّغيرةٍ فقدْ حملها الوادي ولمْ تعُدْ.
أَحْلَى..
تململ الطّفلُ وسأل أمَّهُ مرّةً أخرى: ماما، لماذا ابتلعَ البحرُ أبي؟
اقتلعت براحة يدها دمعة سالتْ على خدّها، ثمّ أخذتْ قطعة سكّرٍ وأسقطتها في فنجان ماءٍ كانَ أمامها، وحرّكتها بلطفٍ حتّى الذوبانِ. عندما اختفى السّكّر تماما في الماء، قالتْ لهُ: كانَ أبوك أحلى منَ السكّر، لذلك اشتهاه البحرُ.
محمد نجيب بوجناح كاتب تونسي. مواليد المكنين عام 1958. يحمل إجازة في الهندسة الصناعية من المعهد القومي للمهندسين بتونس. يكتب الشعر والمسرح. ينشر منذ الثمانينات في الصحف العربية مثل الفكر، الرأي، الصباح الأدبي، حقائق، القدس العربي وغيرها. صدرت له مجموعة أعمال منها: من الميت (مسرحية – أعاد نشرها في مجلة “إلى” الإلكترونية1981)، ستون (شعر 2021)، كن سيدا (شعر 2022)، وغيرها.