هيام علي الجاويش
اللوحة: البولندي باول كوزنسكي
صديقي، قالت لي: مرت الأمور كمرور النسيم، ثم اشتد النسيم ليصبح إعصاراً، لقاء على قارعة الطريق كانت ترتجف من البرد والخوف وقد شارفت الشمس على المغيب، تعاطف معها وأتصل بصاحب سيارة يثق به، وطلب منه أن يوصلها إلى بيتها بعد أن أخذ رقم جوالها ليطمئن عليها، فأنت تعرفين أحوال البلد! وكأن أحوال البلد ذريعة لكل فعل!
تطورت هذه الأمور إلى أن أحتلت تلك الصبية قطعة الحديد، وقطعة الحديد هذه أحتلت حياته! صمتُ بادئ الأمر، تألمت، وصبرت, فكيف أغار من قطعة حديد؟ وفكّرت، لابأس، رأسه ممتلئ بهموم الحياة والجميع هكذا، وهو مثل الجميع يسرق لحظات من أيامه الثقيلة لتذكره أنه مازال على قيد الحياة، وها هي قطعة الحديد تحتل الساحات وتمنع الهواء والشمس.
تألمت وصمت وتجاهلت, لكنه كان منتشياً بجهلي، فواجهت.. بهت بادئ الأمر وابتسم ببلادة ليخفي ارتباكه وباعد بين يديه قائلاً باستغراب: أيعقل أن تغاري من لقاء مر مرور الكرام؟ فقلت: مرّ مرور الكرام أم حلّ حلول اللئام؟ وهذا الذي في الجوال؟ فأمسك جواله مدعياً بأنه سيكسره إذا كان سيزعجني، لكنني رأيت في عينيه لقطعة الحديد هذه شغفا يضاهي خجله مني وحزنه من أجلي وتيقنتُ بأنه لن يقطع صلاته بها وأن قطعها سيبحث عن أخرى وكأنني أصبحت كالسيارة للاستخدام في بعض الحالات ومركونة في معظم الحالات. وفعلاً هذا هو الذي كان, وأنا صبري نفذ فغافلته وبعثرت أوراقه, وليأخذ الوقت الذي يريده كي يرتب أوراقه، لقد حظرتها, نعم حظرتها، وليتني لم أفعل، فقد كانت أوراقه مرتبة بشكلٍ لم أتصوره، لقد كانت هناك امرأةٌ، تسير بالتوازي مع تلك الصبية, لكن حظ الصبية كان أكبر ولهذا لم ألاحظ اهتمامه بها.
امرأة تركها من كانت زوجته فتحولت إلى امرأة فيسبوكية بامتياز، كل الكلام لها وعندها مباح ومتاح، فجميع أصدقائها يعرفون إلى أين ستذهب وأين تنام ومتى تعود إلى البيت، وصورها ملأت صفحتها (واللي ما بيشتري يتفرج) أقسم: ذات مرّة وضعت صورة…! صراخها وفراغ روحها ملأ صفحات قطع الحديد، فرمت بظلال خيبتها على كل الرجال الذين يأتون في طريقها أو تأتي في طريقهم وكان هو منهم.. كان يخفي ويحذف ويترك جواله في أيّ مكان, وساد الودّ وأطمئن البال إلى أن وقع ما كان في الحسبان، وعرفتُ كل شيء، فكلمته لخيبتي، لا من أجله فقال: اضربي راسك بالحيط.. أضرب رأسي بالحيط!؟ لماذا؟ لأنني أرفض الابتذال، هذا الذي يسمونه تواصل اجتماعي أهو تواصل اجتماعي أم تقطيع التواصل الأسري؟ ألاّ لا طيب الله عيش الذي اخترع الفيس بوك، واللعنة عليه عندما ولد وعندما يموت وعندما يبعث حيا.
دخلت إلى الداخل ورميت بنفسي على سريري فشعرت بجسدي يتضخم ويرتفع، حاولت السيطرة على جسدي كمن يضغط غيمة، حاولت الوقوف لم استطع، تباً لكل خائن، حتى قدمي
تهاوتا وسقطتا على الأرض، وفكّرت، يجب أن أعيد التوازن لنفسي بأي ثمن، ها هي قطعة الحديد بجانبي فأنا أملك ما يملكون، فلماذا لا أفعل ما يفعلون؟
مددت يدي هذه قطعة الحديد أصبحت بكفي، أقدمت وأحجمت لكنني لم أستطع، هل أستطيع أن أكون مبتذّلة؟ أم أرضخ للأمر الواقع وأعتبر بأن زوجي قد مات؟ لكن كيف؟ ميت على قيد الحياة فهل استطيع العيش معه؟ هل أترك زوجي؟ وساعتها سأتحول تلقائياً إلى امرأة فيسبوكية؟ بالله عليكِ أجيبِي لو كنت مكاني ماذا تفعلين؟
صديقي،هي تسأل وأنا أفكر أن الذي يصيبها يصيبني، وهل بات لزاماً علينا أنا وهي أن نشرب من نهر الجنون؟