طُوِيَت ولا ندري

طُوِيَت ولا ندري

اللوحة: الإنجليزي مارتن هوارد

نظر الإنسان يتركز على نصف الكوب الفارغ، يغفل دائما عن النصف الممتلئ، حتى حين النظر إلى الموت، يتركز النظر على الجسد عندما يهبط ليُدفن أسفل الأرض، يَغفل عن الروح التي تصعد إلى السماء. يُشفق على جسد يفنى، يَفوته أنْ يفرح لروح تتحرر، روح صاعدة بذنوب ثقيلة إلى الرحمن الرحيم.

من المعلومات التي أصبحت بديهة لدينا، أنّ أشعة الشمس تُسافر إلينا وتصل في ثمانية دقائق، ولا نشعر بها إلاّ حين تلسَع وجوهَنا، ربما تحجبها السحب والغيوم، لكن لا نستطيع أنْ نُنكر وجود الشمس ولا استمرار مدِّها لنا بالأشعة الدافئة والحياة.

والمدهش أننا اكتشفنا حديثا أنَّ النجوم التي ناجاها قيس وشعراء الدنيا؛ قد غادرت هذا المكان من ملايين السنين، ومنها من كُتبت شهادة وفاته أيضا من ملايين السنين، وأنَّ الضوء المنبعث من النجم قد انطلق وسافر إلينا ولم يصل إلا اليوم، وما نراه ما هو إلا صورة لمواقع النجوم (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (الواقعة (75)

حين أتحدث اليوم عن الواقع أقول إنَّ الصفحة طويت، وما نراه اليوم لن نراه غدا، وأنَّ علينا أنْ نستمتع بمشاهدة القِطار من ظهره وهو يرحل، ننظر إليه وصورته تتضاءل للمرة الأخيرة حتى يختفي ولن يعود ثانية، وسوف نستقل قطارا جديدا وحديثا، نأمل فيه ونتمنى أنْ يُشعرنا بالحياة والرضا عن النفس، ما نراه اليوم هو مواقع الدول وطَيفها قبل تحوّلها أو فنائها، الحقيقة التي لن تتحول ولن تفنى هي الشعوب، ليس شرطا أن تزول الدول فالاحتمالات عديدة.. تأتي الصين.. تولي أمريكا ظهرها.. تتكون تكتّلات.. تُلتَهم دول، ليس شرطا أنْ تَزول الحكومات، فوسائل الرحيل مختلفة، هناك رحيل بالأجساد، وهناك رحيل بتغيير الأفكار والعلاقات والوسائل.

الخيار مازال متاحا أمام الجميع، ولكن لوقت قصير جدا، زوال الأجساد سيكون مزلزِلا وسوف يُدْمي الجميع، وزوال الأفكار والعلاقات والوسائل سوف يكون متدرِّجا ولكن أكثر أمانا، والطفرة دائما تَحمل المجهول وغير المأمون، وغالبا ما يخطفها الغراب الجديد ويطير، ولكن لن يحدث هذا ثانية.

أصبح الوضع مثل قطع الدومينو وهي متراصة ومتساندة على بعضها، وهناك نقط عدم اتزان في الدول المتراصة كالدومينو. هناك احتمال كبير للانهيار، الانهيار للجميع، الانهيار هو عين البناء فيما بعد، الجيل الذي ابتلع الطُعم طُويت صفحته؛ حل مكانه جيل ولا أروع، المثقفون الذين تاهوا وخانوا وأكلوا الفَلَوْذَج؛ حل محلهم رجال المرحلة ممن تسلح بالوعي والفَهم وينوي أنْ يصون شرفه.

الشباب الذي لهث وضلّ وراء البحث عنْ صاحب الكاريزما وحبيب الملايين؛ بات يبحث عن البطل الذي فيه، ولم يعد يَغرّه حِيَل الأوغاد.. التغيير آت لا محالة، والوعي سيسود.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.