قصتان

قصتان

اللوحة: الفنان الأمريكي هارولد كوديو

محمد محمود غدية

موت شاعر

ترتشف المرارة من فنجان قهوتها الثاني، منفضة السجائر امتلأت بأعقاب احترقت واحرقت اصبعها، تسبح في سحب الدخان، وجدت نفسها متلبسة بابتسامة كادت ان تضل طريقها إلى شفتيها، الاشبه بحبة الفراولة وقت النضج والقطاف، زوارق الحياة غير مأمونة العواقب، تعبث بها الرياح في ازمنة الموج الهادر، اطل وجهه في ذاكرتها، كان بمثابة النجم الذى لا ينطفئ، فكيف انطفئ واندثر ؟ 

عطرها يستفزه ويستدرجه إلى بساتين البهجة، عيناها لا يستطيع تحديد لونهما، تجردانه من اسلحته مثل طائر اتعبه الطيران، واهتدى إلى العش الآمن، يكتب الشعر أهداها ديوانه الأول، إلى من فجرت صمته وفتحت له بساتين البهجة، يرى أن عمره قصير كما الزهور ما تلبث ان تذبل، يردد ما قاله الشاعر أمل دنقل:

 كل باقة / بين إغفاءة وإفاقة / تتنفس مثلي / بالكاد ثانية ثانية / وعلى صدرها حملت راضية / اسم قاتلها في بطاقة.

يقاوم الموت بالكتابة، طبيب يصل الليل بالنهار في مستشفيات عزل الكورونا، اصابته عدوى المرض ومات، كان له قلب عصفور صغير لم ينبت له جناحان، مخيفة هي الكتابة لأنها تأخذ لنا موعدا مع كل الأشياء التي نخاف مواجهتها والتعمق في فهمها، حاولت الكتابة فلم تفلح، رغم الأوراق الكثيرة التي كومتها وألقت بها في سلة المهملات، في هذا الركن وعلى نفس الطاولة التي كانت تجمعها وحبيبها، الريح تزأر في الخارج غضبى، فتتساقط زخات المطر الذى تسلل بعضه من زجاج نافذة المقهى، يوما التقط حبيبها قطرتا ماء في كفيه وقال: هما دمعتان/ أسقطتهما السماء / لتنبت الأرض زهرتين / عيناك ووجهك الفتان!

تنزف الوجع والدمع من عينيها، مثل غريق يتوسل النجاة، تبحث عن يديه اللتان قاسمتهما الأحزان، أشعلت السيجارة الأخيرة في العلبة التي تحذر من أضرار التدخين، بخيلة هي الحياة التي لا تعطينا ما نريد، مازال أمامها متسع من العمر للعذاب، وكلمات أمل دنقل الذى انتصر للغياب.

مرجان والجان

هناك عوالم شاسعة من الأحلام والخيالات، روضة مليئة بالأسفار والحكايات، عن اناس واوطان وعهود غابرات، كانت الشمس قد بدأت في حزم امتعتها والانسحاب تدريجيا من على طاولات المقهى، الذى بدا متخففا من رواده، الا من ذلك الرجل المنطوي على نفسه، والذى كان يبتلع قهوته ويرتشفها دون تلذذ، وكان احزانه تضافرت على الفتك به، اقترب منه ذلك الخمسيني الذى لا يغادر المقهى الا حال اغلاقه، مستأذنا ان يشاركه طاولته، بعد ان لمح دموعه المكابرة التي تأبى السقوط امام ابخرة الضعف قائلا: إنه لا فكاك من الهم الذى يطاردنا حتى الموت، فقط يمكننا زحزحته قليلا، تكلم بعد أن أنس لمحدثه قائلا: إن المصائر لا يصنعها احد بإرادته، متزوج منذ ثلاث سنوات، صارت بهما مركب الحياة هادئة، حتى برز لهما القدر من مكمنه، معترضا طريقهما، وكان الشمس انطفأت او غربت، كلما اقترب من زوجته، صرخت ودفعته بعيدا عنها، ويتكرر الصراخ ولم تفلح ملاطفته لها!طاف الالم بالبيت وعشش في اركانه، والقى بظله الكئيب على الاشياء، معللة أن ما بها، سببه جان يسكنها، يحول بينها وبين زوجها، اشار عليه البعض بمرجان الذي يفك السحر، ويخرج الجان الذي تلبسها، مازالت قارة العقل الشاسعة مجهولة في جزء كبير منها! استعان الزوج بمرجان، الذي قرأ التعاويذ والكلمات المبهمة، بين إشارات غير مفهومة وإطلاق البخور، اختار مرجان وقتا غير معلوم، دون إخطار الزوجة، لمفاجأة الجان والسيطرة عليه، بعد أن طلب من الزوج إحضار حفنة من تراب مندى من مقبرة طفل لم يبلغ الحلم!

في مفاجأة وبعد مراقبة الزوجة، وفى غياب الزوج همس مرجان في أذن الزوجة: انه رأى الانسى العاشق مختبئ تحت السرير، يمكنها إخراجه الآن، على وعد بعدم إخبار الزوج، واعطته من المال، ما سال له لعابه، لإسكاته.

بعد نثر التراب المندى على عتبات الدار، أخبر مرجان الزوج: باستقامة الحال وخروج الجان.. في صفعة موجعة، نقل أحد الاصدقاء، ما قاله مرجان عن خيانة الزوجة، التي لم يستمع الزوج لتوسلاتها واعتذاراتها وطلقها، مغالبا دمعاته، بعد أن نشب الوجع مخالبه الجارحة بروحه، وراح يستند إلى ما تبقى وغاب.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.