هيام علي الجاويش
اللوحة: الفنان السعودي أحمد المغلوث
صديقي،لأول مرة أقول: سأحدثك عن صديقة، ومن النادر أن تجد صديقاً لكن أن تجده سريعاً من خلال إشارة أو كلمة فإن ذلك يكون من الخيال, وهذا يكون حسب رأي علماء الفيزياء، (توافق اهتزاز) وبرأيي (تماثل خيبات)
هي، بالرغم من التطور الهائل في التقنيات كانت دائماً تحنُّ للمذياع، قلّبت المحطات على غير هدى مفكّرة بأنك حين تستقبل آخر خيباتك بشيءٍ ما، هذا يعني أنك توّدع آخر أمل لهذا الشيء.. فاجأتها إحدى المحطات بأغنية لعبد الحليم حافظ, فهي منذ زمن لم تعد تسمع مثل هكذا أغاني، مذ تحوّلت أغانينا من المحسوس المنظور إلى الملموس المحظور. كررت مقطعا من الأغنية في نفسها: وستعرف بعد رحيل العمر بأنك كنت تطارد طيف دخان.. وقالت: نزار وعبد الحليم، رحلتما وتركتمانا نطارد طيف الدخان!
نظرت إلى ساعتها ثم أغمضت عينيها وأسندت رأسها إلى الخلف ثم مجدداً نظرت إلى ساعتها بعد أن عدّلت جلستها. هي لا تنتظر شيئاً محدداً لكن الضجر عندما يحلّ فإنه يحمل معه خديعة أن الساعات القادمة ستكون أفضل، لكن الزمن يقابله بخديعة معاكسة فيسير ببطء، وربّما كان يتوقف عندما ترفع ناظريها عن الساعة. ولكي تبعد الضجر وتجعل الزمن يسير بحرية التقطت كتاب موت معلن لغابريل غاريسا ماركيز لعلها تحقق ما أرادت لكنها بعد لحظات اعتصرت الكتاب ورمته قائلة: أي غابرييل لقد تجاوزناك لأننا سابقناك وسبقناك, لا تستغرب ولا تقول فأنا من يقول: فإن يكن طريدك سينتياغو نصار لا يعرف بأنه سيقتل والجميع يعرفون ذلك، فإن طريدتنا كانت هي الوحيدة التي تعرف بأنها ستقتل والجميع لا يعرفون، وإن كان طريدك قد قاوم القتل حتى نال منه القتلة، فإن طريدتنا سيقت ومشت بقدميها إلى حيث ستقتل وراقبت حفر قبرها وترقبت لحظة موتها.
ولسنا وحدنا من سبقك، بل أبطال قصتنا قد سبقوا أبطال قصتك؛ فإن كان سينتياغو نصار متهم بإحدى فتيات القرية، فإن بطلة قصتنا متهمة بأحد أشقائها! وفكّرت، إذا انحدرت القيم إلى أسفل المستنقع فلا بدّ أن انحدارنا كان أسرع وأشد.
صديقي، هذه حالة من حالات الانحدار وسأسرد عليك بعضها وأترك لك البحث عن تفاصيلها وتعميمها.
في يوم رمضاني، أوقف محرك دراجته أمام مدخل البيت، وترّجل عنها بطريقة اعتبرتها استعراضية، ألقى التحية من بُعد ثم اقترب وصافح كلٌّ منّا. لقد كنّا ثلاثة أخترنا الجلوس على الرصيف هرباً من حرّ الصيف داخل البيت, وبوجوده أصبحنا أربعة نتقاسم الرصيف والهواء الساخن.أبتدأ الكلام وقال: لا ماء ولا كهرباء, خرجت دون تحديد وجهتي رأيتكم فنزلت أُسلّم، فقلنا: أهلاً وسهلاً، وبدأ يتحدّث ويتحدّث وأنا أراقب، إبهامه لُفّ بشاش أبيض وبدا بشكل وحجم البيضة وكأنه مُلتصق عنوّةً بتلك اليد المتشحة بسواد متجانس، نظرت إلى يده الأخرى وإذا هي كسابقتها, وسألت نفسي هل هذا من قلة المياه؟ لكنه وصل في حديثه إلى نقطةٌ قطعت تفكيري، لقد كنّا في مداهمة، زميلي استشهد وأنا أُصبت بيدي وقدمي، مدّ أصبعه وقدمه، فقلّت: حمداً لله على السلامة, وعدت إلى مراقبتي!
رفع رأسه بتلويٍّ وفتح عينيه قليلاً ثم أغمضهما وشقهما قليلاً، بالنسبة لي أنا لأول مرّة أراه بدون نظارته.. مال نحوه كبيرنا وحدّثه بهمسٍ، لكنه صرخ بصوتٍ عالٍ: أهلك, أمك, ماذا يعني هذا؟ ماذا قدّموا لي؟ وبماذا أجرمت بحقهم؟ كنّا سبعة في غّرفة التراب التي تعرفونها, لم نشبع كما الناس يوماً! لماذا يوجد حقٌّ للأهل على الأولاد ولا يوجد حقٍّ للأولاد على الأهل؟
وعلينا أن نقتنع بالأمر الواقع. لم أتعلم, لا, لا تقل هذه مسؤوليتك, نعم أعرّف لم أحب المدرسة يوماً ورسبت في معظم السنوات، ولكنني كنت صغيراً وهذه مسؤولية الأهل. عينيَّ، أرى بهما قليلاً ولولا العملية الجراحية والتي أُجريت لي عندما كنت في خدمة العلم لكنت الآن لا أرى شيئاً, وأمي سامحها الله لا تتوافق مع زوجتي.. ثم حدّق به وتابع، هل يأتون بنا للحياة من أجل تربيتنا وإسعادنا ويتحملون المشقة من أجلنا؟ لا إنما يأتون بنا من أجل أنفسهم, مثلنا مثل المال, لنكون ملكية خاصة لهم. ماذا فعلوا كي يخرجونا إلى الحياة؟ مثلهم مثل الحيوانات, يلهثون وراء لقمة العيش وفي آخر الليل (…)، ونحن نأتي ولو وجدوا طريقة أسهل وأمتع وأرخص لمّا وفروها.
تيّقنت بأن كلامه ليس وليد اللحظة وربّما تناقش فيه كثيراً مع غيرنا ومع نفسه، وانساب الكلام على شفتيه إلى أن وصل في حديثه إلى: الجنة تحت أقدام الأمهات، ولا أدري كيف وصل إلى هذه العبارة وربّما كانت رداّ على عبارة قالها محدثه.. وتابع: إذا كانت الجنة جنة الأطفال, فأنا لا جنّة لي عند أمي, وإذا كانت الجنة هي جنة الله, إذاً الجنة مخصصة للنساء اللواتي يلدنّ, وعليه يكون للبغايا ما لغيرهن من الأمهات، وإذا كانت الجنة من أجل تعب الحمل والولادة, فسيكون للفئران والكلاب وكافة الحيوانات نصيب في الجنة, وإذا كانت الجنة من أجل مشقة التربية والاعتناء فللدجاج وكافة الطيور نصيب في تلك الجنة!
وفكّرت، كيف؟ أيعقل أن يعذب الله المرأة بالحمل والولادة ليثوبها بالجنة؟ نحن نعلم بأن الله خلق الإنسان وزينه بالعقل، ويتركه يعمل ويرى عمله ثم يثبه أو يعاقبه، أما بالنسبة للواتي لم يحالفهن الحظ بالزواج أو بالإنجاب فلهن عقوبتين: واحدة في الدنيا، وواحدة في الآخرة، ووجدت نفسي أهذي وأفكر في كلامه، وشدّني كلامه مرّة أخرى: أنا لا يحق لي التقصير بحق الذين قصروا بحقي, فلو لم تكن الأم هي التي تحمل وتلد لكنت قلت بأنني لست ولدها. ثم غيّر وجهة الحديث وقال: أنا بحاجة لخزان ماء، وجاري يملك خمس خزانات, ومنذ لحظات كان يوّسع الجدار كي يلائم النافذة الجديدة, إنه لا يوفرّ لا صغيرة ولا كبيرة، خزانات، غسالات، برادات، فرش وأغطية وملابس، أبواب وعربات أطفال وأحذية، لقد خلع نوافذ بيته ليضع بدلاً عنها!
وقطع حديثه زائرٌ آخر، استقبلنا الزائر ودخلت إلى الداخل لأعدّ طعام الإفطار وعادت بي الذاكرة إلى الوراء: في يوم كان نهاية الصيف وبداية الخريف، هو كباقي الأيام يبدأ بروتين وينتهي بنفس الروتين، لكن هذا اليوم لم يشأ أن ينتهي كسابقيه من الأيام.
كانا هما فقط من بقي على قيد الحياة من أفراد المجموعة، انتظرا قليلاً، ثم حاولا الانسحاب من الموقع والذي لم يبقَ فيه لا عدو ولا صديق، وفي طريق العودة انفجر لغم في أحدهم وفارق الحياة على الفور، بكاه الآخر كما لم يبك أحدا من قبل، وحمله بالرغم من جراحه التي أصيب بها من جراء الانفجار وأوصله إلى أقرب موقع حكومي، بعث به وبرفيقه إلى المشفى الأول كجثة وهو كجريح.. في صباح اليوم التالي، استقبلنا الشهيد ونسينا الجريح!
بعد أشهر قليلة, جنين الشهيد رأى النور, عدة أشهر إضافية أخرى يتزوج الآخر زوجة الشهيد ويحتل مكانه في بيته وعند زوجته وولده.. وتذكّرت (الطاهر وطار) وقصته (الشهداء يعودون) القصة باختصار، أن موفدا قدم من مكان ما إلى القرية، فأجتمع الوجهاء، رئيس البلدية والمختار و، و، وأهالي الشهداء، فأخبرهم أن الشهداء عادوا, فهلل الجميع عند سماع الخبر, ولكن عندما خرجوا من عند ذلك الموفد, ومشوا فرادى أو مثنى أو ثلاث كلٌّ تحدّث مع نفسه أو مع الذي معه عمّا أخذ وبم انتفع, وعن المزايا التي حصل عليها، فمنهم أخذ مالاً ومنهم مَنْ أخذ الجمل بما حمل ومنهم منْ أخذ الجمل وأعطى ذويه أذني الجمل، ومنهم مَنْ حصل على عمل، وآخر أخذ البيت، وغيره أخذ الزوجة و..، إذاً كيف يتخلّوا عما كسبوا وماذا سيقولون لشهدائهم؟ إلى أن توصلوا إلى خلاصة، ليتهم ألا يعودوا، أو عليهم إلاّ يعودوا وليبقوا أمواتاً حيث هم.
وأودّ أن أسأل الطاهر وطار, ولو أن شهيدنا عاد ماذا سيقول لرفيقه: هل سيقول: يا رفيقي أنا بكل أمانة أديت واجبي من أجلك ومن أجلهم بنفسي قد ضحيت، وأنت ببيتي وأهل بيتي قد طمعت؟ فإن كانت ستتزوج فليكن بغيرك، أم أنك بذلك رغبت؟ أودّ أن أسألك، وأنت في فراشي وبيديك ضممتها أحزنت أم فرحت؟ أترحمت عليّ أم على موتي الله حمدت؟ ألم تخجل من الكأس التي أنا منها شربت؟ ألم تخجل من دفء فراشي وأنا في صقيع القبر تمددت؟ ألم تخجل من قبضة الباب التي بها أمسكت؟ من زر النور ومن بلاط الرصيف؟ من ارتعاش شفتيك على شفاهها؟ من عتمة الدار عندما بها اختليت؟ أم أنك أنت الآخر, قد مُتْ؟
صديقي، ماذا سيقول رفيقه، هل سيقول: يا رفيقي عليك حزنت وبكيت، لكنك أسرجت وركبت ورحلت، وأمانتك زوجتك وولدك قد حفظت، ولكنت أسعد لو بغيرها تزوجت.
لكن يا طاهر، ألا ترى معي أنه هناك أناس يزرعون وآخرون يحصدون؟ وشهداؤنا يموتون مرتين: الأولى بطلق النار، والأخرى بغدر أهل ال…!